ثقافة النظافة العامة

تاريخ النشر : الاثنين 11:00 2-2-2026
م. زيد خالد المعايطة

في مقالٍ سابق، ناقشنا خصائص حملات التوعية الناجحة في الحد من رمي النفايات في الأماكن العامة، وأوضحنا أن الغالبية العظمى من الأردنيين تدرك أن هذا السلوك خاطئ، وأن المشكلة لا تتعلق بغياب القيم أو ضعف المعرفة، بل بالفجوة بين ما يؤمن به الناس وما يمارسونه فعليًا عند انتقالهم من البيت إلى الأماكن العامة، وهي فجوة تتجلى بوضوح في التناقض بين الحرص الكبير على نظافة المنازل والتهاون في التعامل مع الشوارع والحدائق والمرافق المشتركة.

هذا التناقض ليس عشوائيًا ولا خاصًا بالمجتمع الأردني، إذ تفسّره العلوم السلوكية من خلال ما يمكن تسميته "فجوة القابلية للارتباط"، حيث يشعر الإنسان بالمسؤولية تجاه ما يعتبره شأنًا يخصه، ويتراجع هذا الشعور عندما يتعامل مع ما يراه مسؤولية عامة، فالبيت مساحة شخصية مرتبطة بالهوية والصورة الاجتماعية، بينما تُعامَل الأماكن العامة على أنها مجال تنظيمي تتولاه البلديات وتُدار من قبل جهات رسمية، وعندما تُنقل المسؤولية ذهنيًا إلى الخارج يتغير السلوك حتى وإن بقيت القيم على حالها، ولهذا غالبًا ما تفشل الحملات التوعوية التي تكتفي بمخاطبة الضمير دون أن تمسّ الإحساس الحقيقي بالمسؤولية تجاه المكان.

إذا كان الهدف هو معالجة هذه الفجوة، فلا بد أن يبدأ التدخل من البيئة التي تتكوّن فيها مفاهيم المسؤولية قبل أن يواجه الفرد قراراته اليومية في الشارع، وهنا تبرز المدارس بوصفها نقطة مفصلية، لأنها المكان الذي تُبنى فيه العادات وتُكتسب فيه أنماط التعامل مع المسؤولية، ففي معظم المدارس لا يُشرك الطلبة في عملية الحفاظ على النظافة، حيث تُنظف الصفوف والممرات من قبل عمال مختصين دون مشاركة الطلبة، وهو ما يجعل النظافة تبدو وكأنها منفصلة عن سلوكهم اليومي، فلا تتكوّن لديهم علاقة مباشرة بين تصرفاتهم وحالة المكان من حولهم.

هناك نموذج مختلف يمكن أن يغيّر هذا التصور جذريًا، يقوم على إشراك الطلبة أنفسهم في مسؤولية تنظيف الصفوف والمساحات المشتركة وفق نظام دوري تتناوب فيه الصفوف على هذه المهمة، بحيث تصبح النظافة ممارسة جماعية لا خدمة يتلقاها الطلبة، وهذا لا يعني إلغاء دور عمال النظافة بل إعادة تعريفه، ليصبح دورًا إشرافيًا وتنظيميًا يضمن السلامة وجودة الأداء ويواكب الطلبة أثناء قيامهم بالمهمة، وأهمية هذا الأسلوب لا تكمن في التنظيف ذاته، بل في إشراك الطلبة في المسؤولية، بحيث يدركون أن نظافة المكان هي نتيجة سلوكهم لا مهمة يقوم بها الآخرون بدلًا عنهم، علماً أن هذا السلوك كان مطبقاً في فترة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وكانت آثاره واضحة جداً على مستوى نظافة مدننا ومرافقنا العامة في ذلك الزمان.

عندما يختبر الطلبة بأنفسهم الجهد المطلوب للحفاظ على نظافة المكان، تتشكل لديهم قاعدة ذهنية بسيطة لكنها عميقة، فالنظافة لا تحدث تلقائيًا بل هي نتيجة سلوك متراكم، ومع الوقت يعاد تشكيل علاقتهم بالمساحة من حولهم، فيصبح الصف مكانًا يشعرون بالانتماء إليه، ويُنظر إلى الإضرار به على أنه إخلال بمسؤولية جماعية، وهي عقلية لا تبقى محصورة داخل المدرسة بل تمتد إلى طريقة التعامل مع الشوارع والحدائق ووسائل النقل العام.

ويمتد هذا الأثر بطبيعته إلى داخل الأسرة، فالطلبة الذين يكتسبون هذا الإحساس بالمسؤولية في المدرسة ينقلونه تلقائيًا إلى البيت، ويبدأون بالتساؤل عن سلوكيات اعتادوا رؤيتها دون تفكير، مثل رمي النفايات من نافذة السيارة أو ترك المكان العام متسخًا، وفي كثير من الأسر الأردنية يكون لهذا النوع من الملاحظات وزن خاص لأنه يمس القدوة والتربية والصورة التي يحرص الأهل على ترسيخها، وبهذه الطريقة تنتقل المسؤولية المكتسبة بالممارسة من المدرسة إلى المنزل ثم تعود إلى الشارع، لتنشأ حلقة اجتماعية يصعب على الحملات التوعوية وحدها الوصول إليها.

لا يعني ذلك التقليل من أهمية حملات التوعية، فالرسائل تظل ضرورية خصوصًا عندما تعزز أعرافًا جديدة آخذة في التشكل، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تُدعَم بتجارب عملية تعيد تشكيل الإحساس بالمسؤولية، فالسلوك يتغير بصورة أعمق عندما يصبح جزءًا من هوية الفرد لا مجرد استجابة لتذكير أو تحذير.

مشكلة رمي النفايات في جوهرها ،ليست مشكلة نظافة بقدر ما هي مشكلة علاقة بالمكان، فكلما شعر الإنسان بأن المكان العام منفصل عنه، تراجع إحساسه بالمسؤولية تجاهه، ومعالجة هذا الانفصال لا تتحقق بالكلام المجرد، بل بتجارب مبكرة ومتكررة تجعل الأماكن العامة أقرب إلى الذات.

وإذا أردنا أن تُعامَل الشوارع بالعناية نفسها التي نعامل بها بيوتنا، فإن نقطة البداية لا تكون في الشارع ذاته، بل في الأماكن التي تُبنى فيها المسؤولية وتُمارَس وتُصبح سلوكًا طبيعيًا، فعندما يكبر الطلبة وهم يدركون أن النظافة ليست مهمة شخص آخر، سيتغير تعاملهم مع المكان العام تلقائيًا،

ويبدأ الشارع بالتدريج بالخروج من دائرة الإهمال.

*باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }