تكونت لدي بعض الأفكار لإعداد كتاب بعنوان " الحياة والمرض "،من واقع تجارب شخصية، والاطلاع عن قرب على حالات مرضية مختلفة، والواقع أنني أحسد الأشخاص الذين يسارعون لإخبار الآخرين ونشر صورهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كلما راجعوا طبيبا أو مستشفى لاجراء فحص روتيني، أو للعلاج من حالة مرضية بسيطة!
أنا شخصيا وربما أكون مخطئا، اعتبر المرض شأنا شخصيأ إلا اذا كانت الحالة خطيرة تتطلب " فزعة " ! لكن اذا كان الشخص قادرا على تحمل الألم وخدمة نفسه، ومراجعة الطبيب أو المستشفى، فلا أرى حاجة لإعلام الآخرين حتى المقربين منه .
صحيح أن شخصية الانسان وتكوينه البيولوجي يجمع التناقضات " الخير والشر..الحب والكراهية "، وهو قادر على القيام بعمل الخير ومساعدة المحتاجين، وكذلك ممارسة الغطرسة والاستعلاء على الأخرين وظلمهم، خاصة إذا امتلك السلطة والمال والقوة البدنية، لكنه في نفس الوقت كائن هش ، يبدو ضعيفا مستكينا عندما يصاب بالمرض ، وهنا قد تكون عبارات المجاملة أو التضامن، وكلمات مثل "سلامتك" و "ما تشوف شر"، مفيدة للمريض معنويا في لحظتها، لكن الحقيقة أن الألم لا يشعر به غير المريض نفسه، وهنا لا خيار أمامه غير امتلاك الارادة والعزيمة والصمود، والتعايش مع تداعيات الحالة المرضية .
أكتب هذا بعد مرور عدة سنوات على عارض صحي مفاجئ أصابني، تطلب دخول المستشفى وإجراء عملية جراحية كبيرة وحساسة، والاقامة بالمستشفى لمدة أسبوع، ولم أخبر أحدا حتى أشقائي وأقاربي، والشخص الوحيد الذي كان لا بد أن يعرف، هو رفيقة الدرب زوجتي كريمان كيالي.
وعندما تخضع لجراحة تستمر بضع ساعات تحت البنج الكامل، ذلك يعني أنك غادرت الحياة مؤقتا ثم عدت بمشيئة الله بعد زوال تأثير التخدير.. وهنا عليك أن تشكر الله الذي كتب لك الحياة مجددا.. بما يشبه ولادة ثانية، ثم لا بد أن تشكر الفريق الطبي والتمريضي، وكل من ساهم في معالجة الحالة والتخفيف من تداعيات العملية، وعلى رأسهم الجراح الذي أجرى العملية. وقبل ذلك تتأمل بقيمة الإنجازات العلمية العظيمة التي تحققت بجهود علماء وأطباء وباحثين، عبر مئات السنين في مجال الطب، التي ساهمت بتحسين مستوى حياة البشر ومكافحة الأمراض، رغم أنني الاحظ في حالات كثيرة أن العديد من الأمراض ليس لها علاج ناجع حتى اليوم، وكل ما يقوم به الأطباء من اجراءات تشخيصية وما يصفونه لها من أدوية مجرد مسكنات !
وأصبحت قيمة تجارة وصناعة الطب والدواء تقدر مئات المليارات من الدولارات، ولذلك يلاحظ رواج تجارة الشعوذة والطب الشعبي، وانتشار فضائيات متخصصة بهذا الحقل ، ولا شك أن زبائن هؤلاء هم ممن يئسوا من مراجعة الاطباء والمستشفيات، بعد أن تكبدوا الكثير من العناء والنفقات .
كانت العملية التي أجريت لي لمعالجة نزيف دموي على الدماغ ، وحسب التعريف العلمي فإن الدماغ البشري هو مركز القيادة للجهاز العصبي، حيث يستقبل المدخلات من الحواس ويرسل الأوامر إلى العضلات، ويزن حوالي ( 1.5 كغم )، ويشكل حوالي "2% " من وزن جسم الانسان، ويحتوي على حوالي" 86 "مليار خلية عصبية، وعلى مليارات الألياف العصبية، وترتبط هذه الخلايا العصبية بتريليونات من نقاط الاشتباك العصبي.
أكتب عن هذه الحالة بعد مرور سنوات لكي أوصل رسالة مفادها أن توفر الارادة يمثل عنصرا مهما في مواجهة المرض وعدم الاستسلام، وأن الأعمار بيد الله، والموت حقيقة مطلقة تطال الجميع " الكبير والصغير الغني والفقير " لكن المحظوظ هو من يموت بدون معاناة، ولا يضطر إلى طلب مساعدة الآخرين لقضاء حاجاته، كما أن المرض ليس ما يصيب الجسد فقط ، بل أن ثمة أمراضا عديدة تصيب المجتمع، على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تستوجب المكافحة والدواء في مثل هذه الحالة بالعمل إلاداري المنظم .