يقول الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه "الموافقات": "هذه الشريعة المعصومة ليست تكاليفها موضوعة حيثما اتفق لمجرد إدخال الناس تحت سُلطة الدين، بل وُضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معا، وروعي في كل حُكم منها:إما حفظ شيء من الضروريات الخمس (الدِّينُ، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، التي هي أسس العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، ولفاتت النجاة في الآخرة".
كلام عميق من أحد علماء المسلمين الكبار والذي أفنى عمره في تتبع أصول الشريعة الإسلامية مع فروعها فوجد أنها جاءت من أجل مصلحة الخلق لتحفظ لهم ما اصطلح العلماء على تسميته بالضرورات الخمس، أو المقاصد العليا أو الكليات الكبرى، والتي لا يمكن أن تقوم للحياة قائمة إذا ما فاتت الواحدة منها، ومن تتبع تلك المقاصد العليا فإن أحكام الحلال والحرام الذي هو سياج الشريعة الإسلامية في ضبط النفس والمجتمعات، تتداخل مع هذه المقاصد بشكل واضح وجليٍّ، إذ أن الفقيه إذ أراد أن يبني حكماً شرعياً خصوصاً في النوازل، فإنه يستصحب هذه المقاصد معه على طول طريق البحث والنظر من أجل التوصل إلى الحكم الفقهي، فإن كان الأمر الذي يريد أن يبين حكمه من شأنه أن يؤدي في النتائج والمآلات إلى المحافظة على واحد من هذه المقاصد العليا فإن الفقيه لا يتردد في إعطاء الحكم على ذلك الشيء بأحد أحكام الصحة والجواز، وإن كان ذلك الشيء من شأنه أن يُلحق الضرر بأي واحدة من المقاصد العليا سابقة الذكر فإن الفقيه لا يتردد في أن يحكم على ذلك الشيء بأحد أحكام المنع والفساد، بمعنى آخر أي أمر من شأنه أن يؤدي إلى الإضرار بواحدة من مقاصد الشريعة الإسلامية السابقة الذكر فإنه محرم، فما أضر بالدين فإنه محرم، وما يُضر بالنفس فإنه محرم، وما يضر بالعقل فإنه محرم، وما يضر بالنسل فإنه محرم، وما يضر بالمال فإنه محرم، ولك أن تتخيل بعد ذلك كيف سيكون موقف الشريعة الإسلامية بما فيها من أحكام من أمر من شأنه الإضرار ليس فقط بواحدة من هذه المقاصد الكبرى بل إنه أفسدها كلها مجتمعة؟.
إنها آفة وجريمة المخدرات والتي لا نبالغ إن خلعنا عليها اسم مدمرة المقاصد وأم المفاسد، فإنها أهلكت دين من وقع في براثنها، وأفسدت علاقته بالله تعالى، أفسدت النفوس فعلاوة على أنها أدت إلى قتل العديد من متعاطيها إن لم يكن بطريقة الجرعة الزائدة فإنها قتلت متعاطيها من خلال الموت البطيء فلا يخفى على العقلاء، فضلا عن الأطباء كم تسهم هذه الآفة الخطيرة المدمرة في إفساد صحة البدن الظاهرة والباطنة، أضف إلى ذلك فإن متعاطيها يصبح في لحظة من اللحظات، وهو تحت وطأتها أداة من أدوات القتل المتنقلة بين الناس، ولا غرابة من ذلك ولا عجب إذ أنَّ عقله مخمَّر مُغيَّب ومخدَّر، ولذا فإن إفساد المخدِّرات بالعقل داخل ضمناً بإفسادها بالنفس فهي علاوة على فتكها الأكيد بعموم أعضاء البدن، فإن تأشيرها الشديد على العقل وإفساده وإضعاف قدراته وتخدير طاقاته لا تغيب على كل ذي عقل رشيد، أفسد النسل وقطعت الفائدة منه والغاية من مقصوده، فإن كان الأب مدمناً فإنه أوقع على أولاده ظلماً شديداً بدءًا من الغفلة عن تربيتهم وتأديبهم فمقام الأبوة ليس فقط محصوراً في دور الرعاية، ومروراً بحرمانهم من حق النفقة الواجبة عليه تجاههم بل وإنه في كثير من الأحيان قد لا يبالي مدمن هذه الآفة الخطيرة المدمرة من إنفاق المال على ما حرم الله تعالى عموماً وعلى المخدرات على وجه الخصوص، وبالمقابل تجد أن أسرته تئنُّ من الجوع الشديد ومن العوز الأكيد الذي تلمسه من وجوه أولاده وزوجته، وهذا ظلم من أشد أنواع الظلم فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: (كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)، وانتهاءً بتعريضهم لرفقاء السوء الذين يخالطهم ويخالطونه بحكم تعاطيه ليكونوا في المستقبل صورةً مكررة له في فساده وإفساده، فإن كان المدمن غير متزوجٍ ليعلم أنه قطع الغاية من النسل التي أرادها الله تعالى من خلال غفلته عن بر والده ووالدته وصلته وتواصله مع ذوي رحمه وقراباته. أفسدت المخدرات المال وذلك من خلال إنفاقه على محرم ومجرَّم، والله تعالى سائل يوم القيامة كل إنسان عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.
إن الشباب اليوم مطالبون بحكم العقل والوعي الذي لا بد من التسلح به بالحذر من رفقاء السوء ومن دعاة الشر الذين أوقفهم الشيطان على أبواب جهنم، فمن أجابهم طرحوه فيها، واجبك أيها الشاب أن تحذر من رفيق السوء الذي يحرص بكل طاقته أن يجعل جميع الشباب على شاكلته يفعلون فعله ويقترفون جرمه، وكل دعوات الإغراء الإغواء التي يحاول من خلالها رفيق السوء أن يوقع غيره من خلالها بالمخدرات من حجج واهية كالحصول على نشوة مزعومة وسعادة موهومة وقوة واهية وعقل مستفيق وغيرها من أشكال المقالات التي تروَّج بها المخدِّرات إنما هي أراجيف وكذبات، والأصل بالشاب الواعي أن يكون على حذر منها وأن يقتنع بإن من أراد أن يدعو للشر لا يدعو الناس إليه ببيان شره، إنما يسميه بغير اسمه، ويخلع عليه ألقاباً وأوصافاً مغرية، بهدف أن يغري من يسهل خداعه للوقوع فيها فكن واعياً، حذراً فطناً.
إننا ونحن نحاول أن نواجه ونجابه هذه الآفة الخطيرة المدمرة، نوجه رسالة إلى صناع الإعلام ومنشئي المحتوى وأصحاب المنصات بأن يحذروا من ترويج هذه الآفة الخطيرة المدمرة من خلال ما يعرف في الإعلام باسم "الإغراء بالعرض"، وذلك من خلال إنتاج محتوى يوهم بعض الشباب أن تعاطي بعض أنواع المخدرات يعطي سعادة وضحكات أو نسياناً لبعض المشاكل والمدلهمات التي تُلِّم بالإنسان، بل نقول لكم أنكم من خلال تلك المنصات والتي هي أذرع لا يُستهان بتأثيرها ولا بسرعة إيصال المعلومة من خلالها تستطيعون أن تكونوا أذرعاً للخير من خلال بيان أضرار وفساد وخطر هذه الآفة الخطيرة المدمرة، مع مراعاة أن الناس ليسوا في العقل سواء فلا بد أن تكون الرسالة لا تحتوي على مشاهد للتعاطي وطرقها ولو كانت الغاية التحذير منها إذ أن المشاهدين قد تصل لهم الرسالة بطريقة معكوسة.
إن مسؤولية التصدي لهذه الآفة الخطيرة المدمر مسؤولية مجتمعية ومشتركة بين جميع أطياف وأفراد المجتمع، لا تقع فقط على عاتق الأجهزة الأمنية التي نفتخر بها وبجهدها في هذا المضمار، بل إن كل فرد من أفراد المجتمع، وكل مؤسسة من مؤسسات الدولة مطالبة اليوم بأن تقوم بالميسور في سبيل التصدي لهذه الآفة الخطيرة التي تفتك بالمجتمعات والأسر، فلا ينبغي لأهل الخير أن يسكتوا لمروجي الشر ولبائعي السم بحجة أنها ليست مسؤوليتي، فإن فساد المجتمع ونعوذ بالله من شر مستطير إذا حصل لا قدَّر الله هلك الصالح والطالح، وفسدت حياة الجميع فواجب الجميع محاربة مروجيها ولإبلاغ عن أوكارها ومتعاطيها الذي ينطبق عليهم قول الله تعالى:﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
ومن الأمور المهمة التي لا بد للآباء والأمهات التحلي بها تقوى الله تعالى في أولادنا وأن نربيهم التربية الإيمانية الصالحة وأن نتعهدهم بالأخلاق الحميدة، وأن نحسن في توجيههم ونصحهم وإرشادهم، وأن نتعرف على أصدقائهم وجلسائهم وأن لا نهملهم، قال الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ).
وفي الختام هذه كلمات لا بد من توجيهها إلى من وقع في هذه الجريمة الخطيرة سواء بالتعاطي أو الترويج لها، نقول لهم إن باب التوبة مفتوح لا يغلقه الله تعالى على عبد إلا إذا خرجت الروح لحد الغرغرة، أو طلعت الشمس من مغربها، لذا انسخ الشر الذي كان فيما مضى بتركه والإقلاع عنه وفعل الخيرات، وجاهد النفس والشهوة ورفقاء السوء واثبت على التوبة، فإن خير الخطائين التوابون، فالله تعالى ما أراد من الخلق أن يكونوا معصومين، ولكن الله تعالى أراد منهم أن يكونوا توابين، وإياك أن يقنعك الشيطان بأنك فعلت الكبائر واقترفت الفواجر وبالتالي مهما فعلت لن يقبل الله تعالى منك التوبة، فالله تعالى لم يقنط عاصياً من رحمته، ولم يطرد مقبلاً عن بابه فهو الذي قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (*) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (*) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
كما ونسأل الله تعالى أن يحمينا ومن أحبه قلبنا وأن يحمي بلادنا من هذه الآفة الخطيرة المدمرة، وأن يبارك بجهد كل من يقف في وجه الشر وأهله ويجعلنا جميعاً في كهفه وكنفه وأمنه وحرزه.