لم يعد مقبولًا، في ظل ما تمرّ به الدولة من تحديات داخلية وضغوط إقليمية وتحولات دولية متسارعة، أن يبقى الخطاب السياسي لبعض النخب والبرلمانيين أسير الانفعال أو الحسابات الشخصية أو الشعبوية المؤقتة. فالخطاب السياسي اليوم لم يعد مجرد رأي، بل أداة تأثير وصناعة وعي، وقد يكون عامل استقرار أو عنصر إرباك.
إن الدولة، وهي تمضي في مسارات إصلاحية واضحة، تحتاج إلى خطاب سياسي يواكب توجهاتها الوطنية، ويعكس فهمًا حقيقيًا لطبيعة المرحلة، لا خطابًا يلهث خلف الإثارة أو يسعى إلى تسجيل نقاط على حساب المصلحة العامة. فالنقد مشروع، بل مطلوب، لكنه يفقد قيمته عندما ينفصل عن الواقع، أو يتجاهل التحديات، أو يفتقر إلى البدائل.
النخب السياسية والبرلمانيون مطالبون اليوم بأن يدركوا أن مواقعهم تفرض عليهم خطاب دولة لا خطاب منابر؛ خطابًا يوازن بين حق المواطن في المعرفة، وواجب المسؤول في الحفاظ على الثقة والاستقرار. فالمواطن لا ينتظر من ممثليه تضخيم الأزمات أو تبسيطها، بل ينتظر منهم تفسيرًا مسؤولًا، وحلولًا قابلة للتطبيق، ورؤية تستشرف المستقبل.
وفي هذا السياق، فإن الخطاب البرلماني على وجه الخصوص يجب أن يتناسب مع دوره الدستوري، بوصفه شريكًا في الرقابة والتشريع، لا مجرد متحدث باسم الغضب العام. فالبرلمان القوي لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بعمق الطرح، ودقة التشخيص، وقدرته على التأثير الإيجابي في القرار العام.
كما أن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًا يعزز الانتماء الوطني، ويحمي الجبهة الداخلية، ويؤكد أن الاختلاف في الرأي لا يعني القطيعة مع الدولة، ولا الاصطفاف ضدها. فالدولة لا تُبنى بالصوت المرتفع، بل بالعقل الهادئ، والكلمة المسؤولة، والموقف المتزن.
إن الارتقاء بالخطاب السياسي إلى مستوى خطاب الدولة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية تمليها طبيعة التحديات وحقوق المواطن، ومسؤوليات النخب. فحين يكون الخطاب واعيًا ومسؤولًا، تصبح السياسة أداة بناء، لا ساحة صراع، ويصبح الخلاف مصدر قوة، لا سببًا للتآكل.