وفي هذهِ الذكرى، لا يرى الأردنيون في ملكهم رمزاً بروتوكولياً، بل يرونَ فيه "خلاصةَ التجربةِ الوطنية"؛ فقد نجحَ الملكُ في إعادةِ تعريفِ المهابةِ الوطنية، فهي عنده ليست صخباً ولا ضجيجاً، بل هي رصانةُ الموقفِ حينَ يُستدرجُ الآخرونَ إلى الغضب. لقد طوّع جلالتهُ المرحلةَ لخدمةِ الوطن، مستخدماً لغةً يفهمها الكبار، لغةَ الثباتِ البنيوي، محولاً الأردنَّ من جغرافيا تحيطُ بها الأزمات، إلى عقلٍ يُديرُ الحلولَ ويصنعُ الاستقرار. ولأنَّ عظمةَ القائدِ تُقاسُ بمدى قدرتهِ على هندسةِ المستقبل، فقد بَرزَ سموُّ ولي العهدِ الأمير الحسين بن عبد الله، كـ "تجليٍّ عصري" لفكرةِ الدولةِ الشابة؛ إذ إننا أمامَ نموذجٍ للشابِ الذي لا يستمدُّ شرعيتهُ من "هالةِ الاسم" فحسب، بل يشتقُّها من الاشتباكِ الميداني مع همومِ شعبه، ليكون الامتدادَ الذي يربطُ بينَ أصالةِ المبتدأِ وآفاقِ الخبر، مُجسداً مفهومَ القيادةِ بوصفها مسؤوليةً لا امتيازاً، ووعياً يسبقُ الممارسة.
إنَّ ميلادَ الملكِ هو لحظةُ انسجامٍ نادرةٍ بينَ "الذاتِ الوطنية" و"الإرادةِ السياسية"؛ فقد علّمنا عبد الله الثاني أنَّ العظمةَ لا تكمنُ في إبهارِ العالمِ بالوعود، بل في "طمأنةِ الشعب" وسطَ العواصف، وأنَّ الأردن، وإنْ قلَّ حجمهُ الجغرافي، إلا أنَّ ثقلهُ الأخلاقي والسياسي يملأُ الآفاق بفضلِ قيادةٍ جعلت من "المعنى" وطناً، ومن "الوطن" رسالةً خالدة.
إننا لا نكتبُ تهنئةً عابرة، بل نُدّونُ شهادةً للتاريخ: أنَّ هذا الوطنَ لم ينجُ بمحضِ الصدفة، بل بقوةِ الفكرة وبصيرةِ الرجل الذي جعل من ملامحهِ ملامحَ وطنٍ صبورٍ وشجاع.
كلَّ عامٍ وأنتَ يا سيدي، "الفكرةُ" التي لا تشيخ، و"الموقفُ" الذي لا يتبدل، و"الربانُ" الذي يقرأُ البحرَ بعينِ الحكمةِ وقلبِ الأب، ليظلَّ الأردنُّ دائماً أكبرَ من أزماته، وأصدقَ من شعاراتِ المرجفين، محروساً بوعيِ شعبهِ وعظمةِ قائده.
* رئيس لجنة بلدية سحاب