في بيوتٍ أردنية كثيرة، تُعامل النظافة كسلوك يومي طبيعي يعكس حرص العائلة على النظام والالتزام بالصورة التي تقدمها عن نفسها أمام المجتمع، لكن هذا السلوك نفسه يتغير بشكل ملحوظ عندما نغادر حدود البيت إلى الفضاء العام، حيث تتراجع درجة الالتزام بالعناية بالمكان المشترك، وهو ما يصفه علم السلوك بما يُعرف بـ“فجوة النية والفعل”، أي الفارق بين ما نؤمن بأنه صحيح وما نفعله فعليًا عندما تتغير الظروف من حولنا.
تأتي الحملة الحكومية الأخيرة للحد من رمي النفايات في الأماكن العامة في وقت باتت فيه هذه الظاهرة أكثر وضوحًا وتأثيرًا على المشهد العام وجودة حياة أفراد المجتمع وكلفة الخدمات العامة، لكن التعامل مع هذه الحملة بوصفها مجرد حملة توعوية لا يكفي لفهم التحدي الحقيقي، لأن رمي النفايات ليس مسألة معلومات أو قيم، بل مسألة سلوك يتشكل وفق السياق الثقافي المحيط.
لا شك بأن الأغلبية الساحقة من الأردنيين يدركون أن رمي النفايات سلوك خاطئ ومرفوض اجتماعيًا ودينيًا وبيئيًا، وهذا الاتفاق الواسع يؤكد أن المشكلة لا تكمن في المعرفة أو النية، بل في الطريقة التي تُتخذ بها القرارات الصغيرة في الحياة اليومية، عندما يكون الإنسان داخل الموقف نفسه ويتعامل مع ما هو متاح وسهل ومعتاد في تلك اللحظة.
لا تتشكل سلوكيات الناس في الأماكن العامة من قناعاتهم المجردة، بل من الطريقة التي يتفاعلون بها مع المكان بوصفه مساحة مشتركة، وهو ما توضحه علوم السلوك عندما تبيّن أن القرارات اليومية تتأثر بالإشارات المحيطة أكثر مما تتأثر بالقناعات المسبقة، فحين تقل الإشارات التي تذكّر الفرد بأن تصرفه محسوب أو مؤثر، يضعف الإحساس بالمسؤولية حتى لدى أشخاص منضبطين في حياتهم الخاصة، وفي السياق الأردني، يتعزز هذا النمط السلوكي بسبب تصور شائع يرى أن المكان العام هو شأن تنظيمي تتولاه الجهات الرسمية، لا امتداد لمسؤولية الفرد، ومع تكرار هذا التصور يصبح التعامل مع المكان المشترك أقل التزامًا دون أن يشعر الإنسان بأنه يتخلى عن قيمه أو يتناقض مع نفسه.
تتعامل الإستراتيجية الحكومية المُعلنة مع التوعية بوصفها أداة مركزية لمعالجة هذا السلوك، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة الرسائل بقدر ما يكمن في نوع الخطاب الذي تقدمه، وما إذا كان قادرًا على التفاعل مع السلوك كما يحدث فعليًا في الحياة اليومية لا كما نتصوره في الخطاب العام، فمن منظور سلوكي، لا تكون رسائل التوعية أكثر تأثيرًا عندما تذكّر الناس بما يعرفونه أصلًا، بل عندما تُصاغ بطريقة تأخذ بعين الاعتبار السياق الذي يتصرف فيه الإنسان، فالرسائل الفاعلة هي تلك التي تعيد تعريف ما هو “طبيعي” في المكان العام، وتُشعر الفرد بأن سلوكه جزء من نمط جماعي، لا قرارًا فرديًا معزولًا، فعندما يشعر الإنسان أن ما يفعله ينسجم مع ما يفعله الآخرون من حوله، يصبح الالتزام أسهل وأقرب إلى التلقائية وهو ما يعرف بتأثير العرف الاجتماعي.
بالإضافة الى ذلك، إن الخطاب الذي يعزز الإحساس بالانتماء للمكان يكون أقدر على التأثير من الخطاب الذي يكتفي بالمنع أو التحذير، فعندما يُقدَّم المكان العام بوصفه امتدادًا للمجتمع لا ملكًا مجردًا للدولة، تتغير طريقة التعامل معه، وهنا تظهر قوة المفردات الاجتماعية القريبة من الناس، مثل "الفزعة" و"النشامى"، بوصفها تعبيرًا عن الاستعداد لتحمّل المسؤولية عندما يشعر الفرد أن المكان يعكس جماعته وسمعته، ولا يقل عن ذلك أهمية استحضار البعد العائلي، فالسلوك في المكان العام لا يحدث في فراغ عندما يدرك الإنسان أن تصرفه يُرى ويُقلَّد، خصوصًا من الأطفال، يتغير ميزان القرار، وتقوم الرسائل بتذكير الفرد بأنه يقدّم نموذجًا لأبنائه لا يخاطب الخوف أو العقوبة، بل يخاطب الدور الاجتماعي الذي يعتز به كثيرون.
في جوهره، رمي النفايات في الأماكن العامة ليس مسألة تتعلق بالنظافة فقط، بل تعبير عن علاقتنا بالمساحة المشتركة من البلد وبفكرة المسؤولية المتبادلة عن رعايتها وصونها، ومعالجة هذه الظاهرة من منظور سلوكي لا تعني تبرير الخطأ، بل تعني فهم الظروف التي تجعله سهل الحدوث، لذلك لا بد من التحقق أن تصميم الخطاب والبيئة يتم بطريقة تجعل السلوك الصحيح هو الخيار الأبسط والأكثر انسجامًا مع صورة الإنسان عن نفسه.
إذا نجحت الاستراتيجية الحالية في الانتقال من مخاطبة القناعات العامة إلى مخاطبة محفزات التصرف السلوكي كما يُمارس في الواقع، فإن أثرها سيتجاوز تحسين المشهد العام ليصل إلى بناء علاقة أكثر توازنًا بين المواطن والمكان، وعندها قد تصبح العناية بالشارع امتدادًا طبيعيًا للعناية بالبيت، لا استجابة مؤقتة لحملة أو مخالفة.