في ظل الاعتماد الكبير على استيراد الطاقة والتحديات الاقتصادية المستمرة التي تواجه الأردن، أصبح تطوير مصادر الطاقة المتجددة أكثر من مجرد خيار بيئي أو توجه عالمي؛ بل تحول إلى ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية المستدامة على المدى الطويل. فارتفاع أسعار الوقود عالميًا وتقلبات الأسواق الدولية فرضت على المملكة البحث عن بدائل محلية آمنة ومستقرة، وكان الاستثمار في الطاقة المتجددة أحد أهم الحلول المطروحة لتحقيق الأمن الطاقي وتقليل الأعباء المالية على الموازنة العامة.
ويتمتع الأردن بموارد طبيعية غنية من أشعة الشمس والرياح، ما يجعله من الدول المؤهلة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة في منطقة الشرق الأوسط. وقد أدركت الحكومة مبكرًا أهمية هذا القطاع، فوضعت استراتيجيات وطنية تهدف إلى رفع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني، وتحفيز القطاع الخاص للمشاركة في تطوير المشاريع الكبرى والصغرى، بما ينسجم مع الرؤية الوطنية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة ومتوازنة.
وتُعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من أبرز المصادر التي اعتمد عليها الأردن في مسيرته نحو التحول الطاقي فالمملكة تمتلك واحدًا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، ما يجعل الطاقة الشمسية موردًا محليًا وفيرًا ومستدامًا يمكن استغلاله لتوليد الكهرباء بكفاءة عالية وتكلفة اقتصادية تنافسية. وقد شهد الأردن تنفيذ مشاريع ضخمة مثل محطة شمس معان للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 160 ميغاواط، ومحطة قويرة للطاقة الشمسية بقدرة 103 ميغاواط، إضافة إلى عشرات المحطات الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في مختلف المحافظات، سواء على أسطح المنازل أو في المناطق الصناعية والزراعية، الأمر الذي أسهم في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض تكاليف الكهرباء على المدى المتوسط والطويل. أما في مجال طاقة الرياح، فقد برز مشروع رياح الطفيلة للطاقة المتجددة بوصفه أحد أكبر المشاريع في المنطقة، بقدرة إنتاجية تصل إلى 117 ميغاواط، ويضم 38 توربينًا تسهم في توليد طاقة كهربائية تغذي الشبكة الوطنية بشكل منتظم. كما جرى تنفيذ مشاريع أخرى في معان والمفرق، ساعدت في تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موثوقية النظام الكهربائي. ولم تقتصر فوائد هذه المشاريع على إنتاج الطاقة النظيفة فقط، بل أسهمت في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات الإنشاء والصيانة والهندسة، ودعمت الصناعات المحلية المرتبطة بالمعدات والتقنيات الكهربائية. وإلى جانب الشمس والرياح، بدأ الأردن في استكشاف مصادر إضافية للطاقة المتجددة مثل الطاقة الحرارية الجوفية، التي تعتمد على حرارة باطن الأرض لتوليد الكهرباء أو توفير التدفئة، وتتميز بالاستقرار والاستمرارية مقارنة بالمصادر المتغيرة. كما يمثل قطاع تحويل النفايات إلى طاقة فرصة واعدة لمعالجة مشكلة تراكم النفايات والحد من التلوث البيئي، وفي الوقت ذاته إنتاج كهرباء إضافية تسهم في دعم الشبكة الوطنية وخلق فرص عمل جديدة في مجالات إدارة وتشغيل هذه المحطات، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري وحماية البيئة.
وقد لعبت الشراكات الدولية دورًا محوريًا في دعم مسيرة الأردن في مجال الطاقة المتجددة، حيث تعاونت المملكة مع مؤسسات تمويلية وتنموية عالمية مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وأسهم هذا الدعم في تمويل مشاريع كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى تطوير أنظمة تخزين الطاقة التي تساعد على تحسين استقرار الشبكة الكهربائية وزيادة قدرتها على استيعاب كميات أكبر من الطاقة النظيفة. كما أطلقت الحكومة فرصًا استثمارية وفق نماذج حديثة مثل البناء والتملك والتشغيل، ما شجع المستثمرين المحليين والأجانب على ضخ رؤوس أموالهم في هذا القطاع الحيوي.
وللاستثمار في الطاقة المتجددة آثار إيجابية واسعة على الاقتصاد الأردني. فمن الناحية الاقتصادية، يقلل هذا الاستثمار من فاتورة استيراد الطاقة التي تشكل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، ويحد من تأثر الاقتصاد بتقلبات أسعار النفط والغاز عالميًا، كما يسهم في تحفيز الصناعات المحلية المرتبطة بتصنيع الألواح الشمسية والمعدات الكهربائية، ويعزز الابتكار في مجالات الهندسة والطاقة النظيفة. أما من الناحية الاجتماعية، فيوفر هذا القطاع فرص عمل نوعية للشباب والخريجين الجدد، ويعزز بناء مهارات تقنية متقدمة، إضافة إلى تحسين جودة الحياة من خلال تقليل الانبعاثات الضارة وحماية البيئة والصحة العامة ورغم الإنجازات الملحوظة، لا تزال هناك تحديات تتعلق بتحديث شبكات الكهرباء لتستوعب الكميات المتزايدة من الطاقة المتجددة، وتطوير تشريعات أكثر مرونة تشجع الاستثمار طويل الأمد، وضمان تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذا المجال. ومع ذلك، تبقى الفرص المستقبلية كبيرة، خاصة مع التوسع في مشاريع التخزين الكهربائي والطاقة الحرارية الجوفية ومحطات حرق النفايات، ما يمنح الأردن القدرة على تحقيق نسبة أعلى من الاكتفاء الذاتي وتعزيز مكانته الإقليمية في مجال الطاقة النظيفة.
خلاصة القول؛ تمثل الطاقة المتجددة في الأردن خيارًا استراتيجيًا يعزز الاقتصاد الوطني ويحقق التنمية المستدامة. فمن خلال الاستثمار في الشمس والرياح وحرارة باطن الأرض والنفايات، تستطيع المملكة تقليل اعتمادها على الوقود المستورد، وخلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات، وترسيخ مكانتها كدولة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية تضع اقتصادها على مسار مستدام ومستقر، وتؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا للأجيال القادمة.