في كل حرب، هناك ما يُقال علنًا، وما يُفهم ضمنًا، وما لا يُقال لكنه يحدد النهايات، ومن بين هذا “المسكوت عنه”، فكرة التفوق الجوي؛ ليس بوصفه إنجازًا عسكريًا فنيا، بل باعتباره تعبيرًا صريحًا عن توجهات القرار السياسي، وارادة الدولة، مما ينعكس على قدرتها في الحسم المبكر.
تحليل حديث صدر عن Center for Strategic and International Studies يعيد فتح هذا الملف من زاوية المقارنة بين تجربتين متناقضتين: الأولى نجحت في فرض سيطرتها الجوية خلال أيام، والثانية ما تزال عاجزة عن ذلك رغم مرور سنوات على الحرب، والمفارقة هنا ليست في نوع السلاح، بل طريقة التفكير.
ما تكشفه التجربة الإسرائيلية، كما يقرأها التحليل، أن السيطرة على السماء لم تكن نتيجة للحظة عسكرية طارئة، بل ثمرة لمسار طويل من الإعداد، حيث بنيت العقيدة العسكرية على افتراض بسيط: لا حرب بلا سماء مفتوحة، ولا سماء مفتوحة بلا قرار واضح، فالتفوق الجوي ليس رفاهية هنا.
ولهذا لم يُترك التفوق الجوي لسلاح الجو وحده، بل تجمعت موارد الدولة كلها لتحقيق ذلك من: استخبارات، وعمليات خاصة، وتكنولوجيا، وحتى خطاب سياسي يدرك أن الحسم المبكر أقل كلفة من الاستنزاف الطويل، وهنا، لا تبدو الضربة الجوية مجرد فعل عسكري، بل رسالة سياسية: نحن نعرف ماذا نريد، ومتى نضرب، وأين نوجّه الضربة.
في المقابل، تكشف التجربة الروسية في أوكرانيا عن معضلة مألوفة في عالمنا المعاصر: فامتلاك القوة أو بعض أدواتها دون امتلاك رؤية لا تصنع نصرًا، فالقوة الجوية الروسية، على ضخامتها، لم تتحول إلى أداة حسم، بل إلى عنصر مقيد، يتحرك بحسابات الخسارة أكثر من حسابات الإنجاز حتى انطبق عليه حال تحول القوة إلى عبء.
فغياب حملة جوية شاملة منذ البداية، والتردد في كسر منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، جعلا السماء ساحة غير محسومة، ومع الوقت تحولت هذه “اللا سيطرة” إلى عامل استنزاف طويل. ليتحول السؤال من لماذا لم تنتصر روسيا؟ إلى: لماذا لم تحسم خيارها منذ اليوم الأول؟.
أحد أهم الدروس التي يخلص إليها التحليل هو التحول في وظيفة الدفاع الجوي أو أي أدوات القوة، ليصبح أداة سياسية وعسكرية قادرة على تعطيل تفوق خصم أكبر وأقوى، ففي الحالة الأوكرانية لم تتمكن أوكرانيا من تأمين سمائها بالكامل، لكنها نجحت في منع خصمها من السيطرة المطلقة، وهذا بحد ذاته تحوّل عميق في مفاهيم الردع: أن تمنع الآخر من الانتصار، دون أن تنتصر أنت، وهو درس مهم للدول الصغيرة والمتوسطة التي تبحث عن معادلات توازن في عالم غير متكافئ.