تُعرَّف الدولة الفاشلة بأنها الدولة التي تفتقر إلى السيادة الداخلية الكاملة على أراضيها، حتى وإن كانت تتمتع باعتراف دولي وسيادة خارجية شكلية. فالقاعدة المستقرة في دراسات الدولة تفيد بأن أي دولة تواجه تمردًا مسلحًا أو نزعة انفصالية من مكوّن إثني أو ديني أو عرقي، أو يستقوي هذا المكوّن بقوى خارجية، تصبح سيادتها منقوصة، وتدخل عمليًا في نطاق الهشاشة أو الفشل الجزئي. وينطبق هذا النموذج، بدرجات متفاوتة، على عدد من دول الإقليم.
الحالة السورية لا تزال، حتى اليوم، نموذجًا مركّبًا لهذا التوصيف، لا سيما في مناطق غرب الفرات والجزيرة السورية. فالأزمة السورية لم تكن يومًا أزمة بسيطة أو أحادية البعد، بل هي عقدة سياسية وأمنية وجيوسياسية متشابكة. وعلى مدى أكثر من عقد، لم ينجح أي من المقاربات السابقة في إنهاء الحرب الأهلية أو إنقاذ الدولة السورية من الانهيار طويل الأمد. وحتى في السيناريوهات التي افترضت نهاية الصراع المسلح، كان يُتوقع لسوريا أن تبقى دولة فاشلة بفعل عمق التدخلات الدولية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما دفع بعض الدول، في مرحلة لاحقة، إلى إعادة التعاطي مع النظام المخلوع باعتباره «الخيار الممكن» في ظل غياب بدائل قابلة للحياة.
إلا أن التحول المفصلي تمثّل في قدرة حركة واحدة، بقيادة مركزية واضحة، على توحيد عدد كبير من الفصائل المتناحرة تحت مظلة واحدة، ونجحت في إسقاط النظام. وهنا تبرز حقيقة أساسية في علم النزاعات: إدارة معارك ما قبل التحرير غالبًا ما تكون أسهل من إدارة الدولة ما بعد الصراع، لأن عقلية التنظيم أو الجماعة تختلف جذريًا عن عقلية الدولة ومؤسساتها. وقد راهنت قوى إقليمية ودولية عديدة على فشل السوريين في اجتياز هذه المرحلة الانتقالية، وعلى أن توحّدهم سيكون مؤقتًا وسينهار عند أول اختبار حقيقي.
غير أن ما حدث جاء معاكسًا لهذه التقديرات؛ إذ أظهرت القيادة السورية الجديدة قدرة لافتة على فهم السياقات الدولية وتوازنات القوى، ونجحت في المواءمة بين البراغماتية السياسية والحفاظ على حدٍّ أدنى من المرجعية الأيديولوجية الإسلامية، دون صدام مع البيئة الإقليمية أو الدولية. وقد فاق هذا الأداء التوقعات، وفتح الباب أمام مقاربة مختلفة لإدارة الصراع الداخلي.
لماذا لا تُعد معركة إسقاط «قسد» معركة عسكرية فقط؟
تُعد «قوات سوريا الديمقراطية» أكبر الكيانات المسلحة المعارضة للنظام السوري الجديد، وتسيطر على جزء كبير من مقدرات الدولة، بما في ذلك حقول النفط والغاز، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وقد أسهمت الولايات المتحدة في تأسيس «قسد» منذ عام 2015، وزوّدتها بأسلحة ومعدات متطورة، وجعلتها رأس الحربة في الحرب ضد تنظيم «داعش». إلا أن «قسد» استغلت الفراغ الأمني الذي رافق الحرب، ووسّعت نطاق سيطرتها خارج حدود مهامها الأصلية.
وتشير تقارير متعددة إلى أن «قسد» تحظى بدعم إسرائيلي، مع حديث غير مؤكد عن تقاطعات مصالح مع إيران، في إطار قاعدة «عدو عدوي صديقي». لذلك، فإن المعركة معها لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية تقليدية، وهو ما يفسّر طول أمدها. فلو كانت معركة سلاح فقط، لكانت قد حُسمت منذ وقت طويل.
المواجهة مع «قسد» هي نموذج كلاسيكي لـلحرب الهجينة، حيث تُستخدم أدوات متعددة ومتزامنة: الحرب النفسية، والحرب المعلوماتية، ونزع الشرعية السياسية، وبناء التحالفات الدولية، وتقديم تنازلات تكتيكية مدروسة قبل اللجوء إلى القوة. وتتطلب هذه المقاربة صبرًا استراتيجيًا عاليًا، وجهازًا استخباريًا فعّالًا قادرًا على تقليص عدم اليقين المصاحب لقرارات مصيرية.
ولا يقتصر هذا التحدي على القيادة السياسية والعسكرية فقط، بل يمتد إلى القوات على الأرض، التي يُفترض أن تكون منضبطة، ومتماهية مع القرار المركزي، وتثق بالقيادة، حتى لا يتحول الصبر الاستراتيجي إلى استنزاف غير محسوب. فالالتزام الصارم بقواعد الاشتباك، وضبط النفس، وتجاوز عقلية الانتقام أو الرد بالمثل على انتهاكات «قسد»، كانت عناصر جوهرية في نجاح هذه الحرب الهجينة.
إسقاط ورقة الشرعية الأخيرة
جاء المرسوم الأخير ليُسقط عمليًا معظم الشعارات التي طالما رفعتها «قسد»، مثل حماية اللغة الكردية، والاعتراف بالهوية، وتمثيل المكوّن الكردي. فقد تضمّن المرسوم اعترافًا رسميًا بالحقوق الثقافية، وتخريج دفعة كاملة من قوات الأمن من الأكراد، والاحتفاء العلني باللغة الكردية، في رسالة سياسية مباشرة تهدف إلى نزع آخر أوراق الشرعية التي تتكئ عليها قسد.
ومن الدلالات المهمة في هذه المعركة أنها سورية خالصة؛ إذ جرى تحييد الدور التركي، ولم يُطلب من أنقرة التدخل عسكريًا. وقد سحب ذلك الذريعة الأساسية التي لطالما استخدمتها «قسد» وقائدها مظلوم عبدي لتصوير الصراع على أنه مواجهة مع «قوى خارجية». كما شكّل ذلك رسالة واضحة بأن الدولة السورية قادرة على إدارة صراعاتها الداخلية دون وصاية أو تدخل أجنبي.
في المقابل، تراهن «قسد» في معركة الأنفاس الأخيرة على تدخل المجتمع الدولي، وعلى دعم حلفائها الإقليميين، وعلى كسب تعاطف أوسع داخل الشارع الكردي. غير أن قراءة القيادة السياسية لـ«قسد» للواقع تبدو قاصرة؛ فهي لم تستوعب رسائل واشنطن، ولا طبيعة التفاهمات غير المعلنة بين السوريين وبعض الفاعلين الإقليميين. وإذا لم تُبادر إلى مراجعة حساباتها، فإنها مرشحة للانكماش الجغرافي إلى أضيق نطاق ممكن، حيث تستطيع القوات السورية فرض معادلة الحسم بأقل كلفة ممكنة.