مصطلح "الاقتصاد القياسي" Econometrics فرع من علم الاقتصاد يستخدم الأساليب الإحصائية والرياضية لتحليل البيانات وقياس أثر السياسات والقرارات الاقتصادية على الواقع، وظيفته الأساسية ليست التنظير، بل اختبار الفرضيات وتحويلها إلى نتائج قابلة للقياس، بما يسمح بفهم العلاقة بين القرار الإقتصادي ونتائجه الفعلية على النمو، والأسعار، وسوق العمل، والمالية العامة، وهو مصطلح يجمع بين الاقتصاد Economics والإحصاء Statistics.
في الحالة الأردنية، تبرز أهمية الاقتصاد القياسي بسبب محدودية الموارد وحساسية الاقتصاد لأي تغيير في السياسات، فكثير من القرارات تبرر بخطاب عام يقوم على الضرورة أو الاستقرار، لكن الاقتصاد القياسي يعيد طرح السؤال بطريقة مختلفة: ما الأثر الحقيقي لهذا القرار؟ وعلى أي فئة؟ وفي أي مدى زمني؟
أحد أبرز الأمثلة يتمثل في السياسة الضريبية، وبخاصة الاعتماد على ضريبة المبيعات، فعادة ما ينظر إلى رفعها كوسيلة سريعة لزيادة الإيرادات، والتحليل القياسي يربط بين تغير معدلات الضريبة وتطور الاستهلاك والنمو، فالنتائج في الغالب تشير إلى أن الإيرادات ترتفع في المدى القصير، لكن يتبع ذلك تباطؤ في الطلب الداخلي نتيجة تراجع القوة الشرائية، ما يحد من النشاط الإقتصادي ويقلل من الأثر الإيجابي المتوقع على المدى المتوسط.
في مجال الدعم الحكومي، يوفر الاقتصاد القياسي أداة لقياس كفاءة السياسات الاجتماعية، فتجربة دعم الخبز في الأردن أظهرت، من خلال التحليل الرقمي، أن الدعم السلعي يستفيد منه المستهلكون عموما، وليس الفئات الأشد حاجة فقط، وبناء على هذه النتائج، تم التحول إلى الدعم النقدي المباشر، الذي أثبت قياسيا قدرته على تحسين الاستهداف وتقليل الهدر المالي.
في سوق العمل، كثيرا ما تطرح تفسيرات تقليدية لارتفاع معدل البطالة، مثل العمالة الوافدة أو ضعف المهارات، لكن الاقتصاد القياسي يختبر هذه الفرضيات من خلال تحليل العلاقة بين النمو الإقتصادي والتشغيل، وتشير النتائج إلى أن النمو المحقق لا ينعكس بشكل كاف على خلق فرص العمل، ما يدل على اختلال في هيكل النمو وتركيزه في قطاعات محدودة ضعيفة التشغيل.
في ملف الدين العام، يستخدم الاقتصاد القياسي لقياس أثر الاقتراض على الاستثمار والنمو، وتشير التحليلات إلى أن ارتفاع الدين إلى مستويات معينة يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على التمويل، ويحد من قدرة الاقتصاد على التوسع، هذه النتائج لا تنفي الحاجة إلى الاقتراض في بعض المراحل، لكنها توضح كلفته وحدوده الاقتصادية.
رغم أهميته، يظل الاقتصاد القياسي أداة تعتمد على جودة البيانات وتوفرها، حيث تعاني بعض المؤشرات من تأخر أو نقص، ما يفرض التعامل مع النتائج بحذر مهني، ومع ذلك، تبقى هذه الأداة أفضل من الاعتماد على الانطباعات أو الخطاب العام غير المدعوم بالأرقام.
في المحصلة، يقدم الإقتصاد القياسي إطارا موضوعيا لتقييم السياسات الإقتصادية، فهو لا يصدر أحكاما سياسية، بل يوضح النتائج المتوقعة والآثار الجانبية، من خلاله يتحول القرار الاقتصادي من اجتهاد نظري إلى خيار مدروس يقوم على قياس واقعي للكلفة والعائد.