تُبنى الاستدامة عبر دمج تمويل العبور ضمن هيكل المنح البحثية الجامعية نفسها؛ فبدلاً من البحث عن تمويل منفصل، يصبح دعم (PoC) مكوناً أصيلاً في مشاريع الأبحاث ذات الإمكانات التطبيقية. هذا يضمن تدفقاً مالياً مستمراً ويحول الجامعة إلى كيان مرن وقادر ذاتياً على تحويل الأبحاث المعملية إلى نماذج أولية جاهزة للاختبار السوقي.
تتمثل القناة الثانية في مأسسة "صناديق النضج التقني" (Maturation Funds) كأدوات استثمارية داخلية تُدار باحترافية عبر مكاتب نقل التكنولوجيا أو مراكز الابتكار. وتستمد هذه الصناديق استدامتها من روافد متنوعة تشمل عوائد ترخيص الملكية الفكرية، وأرباح الشركات الناشئة الجامعية، بالإضافة إلى استثمارات الأوقاف الجامعية (Endowments)، وتبرعات الخريجين الهادفة لدعم الابتكار. ويبرز نموذج جامعة كامبردج كقدوة في هذا المجال بفضل مرونته العالية في اقتناص المشاريع عالية المخاطر وعالية الأثر التي تحجم عنها مصادر التمويل التقليدية. ويتسق هذا التوجه مع المعايير العالمية؛ حيث تُشير الإحصاءات إلى أن نحو 86% من صناديق إثبات المفهوم في الولايات المتحدة تُدار ذاتياً من قبل الجامعات، مما يضمن مواءمة التمويل مع الرؤية البحثية الاستراتيجية للمؤسسة.
وتتمثل القناة الثالثة في المبادرات الحكومية -الوطنية منها والعابرة للحدود- المصممة خصيصاً لهندسة العبور التكنولوجي. فمن البرامج الأوروبية الرائدة مثل (ERC Proof of Concept) و(EIC Pathfinder)، والمنظومات الوطنية المتطورة كبرنامج (EXIST) الألماني وصناديق إثبات المفهوم في المملكة المتحدة، وصولاً إلى التجارب الإقليمية المتميزة كبرامج مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST) في السعودية وصناديق مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة (ATRC) في أبوظبي؛ تشكل هذه الجهود في مجملها بنية تحتية تمويلية سيادية. لقد صُممت هذه البرامج لتشييد الجسور فوق الفجوات التمويلية التي يعجز التمويل الجامعي التقليدي عن ردمها، بما يضمن تحويل الابتكارات المختبرية إلى أصول صناعية واستثمارية قادرة على المنافسة عالمياً.
أما القناة الرابعة، وهي الأكثر نضجاً وتأثيراً، فتتمثل في "التحالفات الاستراتيجية" بين الجامعات والمستثمرين المتخصصين في بناء الشركات المنبثقة (Spinout-focused investors). في هذا النموذج، يتجاوز دور المستثمر تقديم رأس المال التقليدي ليصبح "شريكاً مؤسساً" يتدخل مبكراً في مرحلة ما قبل النضج التجاري؛ حيث يساهم في توجيه المسار التقني، وربط الباحثين بقيادات تنفيذية متمرسة، وصياغة الهيكل التأسيسي للشركة الناشئة. ويمتاز هذا النهج بتحويل البحث العلمي إلى كيان تجاري قابل للتوسع في وقت قياسي. ومع ذلك، يظل نجاح هذا النموذج رهيناً بمرونة المنظومة الجامعية، وتحديداً في ثلاثة محاور: كفاءة وسرعة اتخاذ القرار الجامعي، وتقديم شروط ترخيص تنافسية للملكية الفكرية، واعتماد أطر شفافة وحافزة لتوزيع الأدوار والحصص بين الباحث والجامعة والمستثمر.
الخلاصة هي أن استدامة العبور التكنولوجي لا تتحقق ببرنامج تمويلي منفرد، بل عبر مزيج استراتيجي متكامل. ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي للجامعة كامنًا في "حوكمة الابتكار"؛ إذ يتطلب الأمر إجابات حاسمة حول توقيت التسويق المثالي، ودور الباحث، والآلية العادلة لتوزيع الحصص والملكيات بين الجامعة والمبتكر والمستثمر. إن الهدف النهائي يتجاوز مجرد تأسيس شركات، بل يكمن في صياغة مسار مدروس يحمي القيمة العلمية للابتكار، ويضمن توزيعاً متوازناً للمنافع يمنح التقنية المقومات الاستثمارية اللازمة للنمو والاستدامة في الأسواق العالمية.
وعندما تتجاوز الشركة المنبثقة عتبة التأسيس، تبرز حزمة جديدة من التحديات المرتبطة بـ"التوسع الصناعي". فعبور وادي الموت الأول لا يعني الأمان التام؛ إذ تواجه هذه الشركات "فجوة التمويل المتقدم (Late-Stage Funding)". في هذه المرحلة، لم يعد التحدي هو إثبات جدوى التكنولوجيا، بل بناء سلاسل توريد معقدة واختراق أسواق عالمية تنافسية. وغالباً ما تضطر الشركات في هذه المرحلة الى الارتهان لمصادر تمويل دولية عابرة للقارات؛ حيث تشير بيانات عام 2026 إلى أن نحو نصف تمويل الجولات الكبرى للشركات التقنية الأوروبية الناشئة يأتي من خارج حدودها الجغرافية، مما يضع مسألة "السيادة التكنولوجية" على المحك.
وتتجلى ثمار هذا النهج التمويلي الممنهج في التجربة الأوروبية، التي نجحت منذ عام 1990 في توليد أكثر من 17 ألف شركة منبثقة من رحم الجامعات ومراكز الأبحاث. ولم تكن هذه الكيانات مجرد شركات ناشئة عابرة، بل تركزت قوة زخمها في قطاعات التقنيات العميقة والعلوم الحيوية بنحو 7,300 شركة، محققةً قيمة سوقية هائلة تجاوزت 398 مليار دولار، فضلاً عن دورها في استحداث أكثر من 167 ألف وظيفة نوعية. إن هذه الإحصائيات لا توثق نجاحاً تجارياً فحسب، بل تُقدّم برهاناً رقمياً على كفاءة "النظام البيئي للابتكار" عندما يُدعم ببنية تمويلية ذكية قادرة على تحويل المعرفة العلمية إلى قوة اقتصادية ضاربة.
وعلى الرغم من أن مسار العبور التكنولوجي في بيئتنا الأكاديمية لا يزال في مراحل تشكله الأولى ويواجه تحديات واقعية في التمويل والتشريعات، إلا أن هذا الواقع يمثل فرصة سانحة للبدء من حيث انتهى الآخرون. فعبور "وادي الموت" وبناء شركات منبثقة ليس مجرد هدف تقني، بل هو رحلة تعلم مؤسسية بدأت الجامعة الأردنية خوض غمارها. إن التحدي القادم يكمن في قدرة الجامعة على تطوير سياسات مرنة وتدريجية توازن بين حماية حقوقها وبين منح المبتكرين المساحة الكافية للنمو. إن الهدف اليوم هو بناء اللبنات الأولى لمنظومة وطنية تحوّل البحث العلمي من أروقة المختبرات إلى قيمة اقتصادية ملموسة، بخطى واقعية تدرك حجم العقبات ولكنها تمتلك الإرادة لتجاوزها.
*نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون الاعتماد والتصنيف العالمي والاستدامة