تناولت في مقالي المنشور في "الرأي" الغراء يوم الاحد الماضي، بعض المفاهيم والمظاهر والسلوكيات التي انتشرت في مجتمعنا، وصارت تشكل حواجز بينه وبين التمدن. وسأواصل في هذا المقال التأشير على بعض السلوكيات التي تبني مزيدا من الحواحز بين مجتمعنا والتمدن، وابرز هذه السلوكيات السلبية أننا مجتمع لا يقرأ،والمؤشرات على هذه الحقيقة المرة كثيرة، اولها تدني عدد النسخ من الكتب التي تباع في الأسواق الاردنية، وكذلك تدني عدد نسخ الصحف والمجلات التي تباع في الأردن قياسا الى غيره حتى من دول الجوار، وهذه حقيقة لا علاقة لها بانتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة، فعدم إقبال معظم أفراد مجتمعنا على شراء الكتب والصحف والمجلات ممارسة متأصلة فيهم قبل ثورة الاتصالات، التي تؤكد هي الاخرى اننا مجتمع لايقرأ. فالمتصفح لصفحات الفيسبوك في بلدنا يكتشف ان غالبيتها الساحقة لا تعكس عمقا فكريا او ثقافيا، وسيكتشف المشتركون في مجموعات الفيسبوك ان معظم شركائهم في مجموعة الفيسبوك لا يقرأون ما ينشر على المحموعة، لذلك يتكرّر نشر المقال او الخبر أكثر من مرة على نفس المحموعة، التي لو كان اعضاؤها يقرؤون ما عليها من منشورات لما وقع التكرار.
الحقيقية المرة هنا أن غالبية أبناء مجتمعنا يقرأون ليتوظفوا، أي أن معظم الأفراد لا يقرؤون إلا كتب الدراسة، لأنهم مجبرون عليها، وأنهم ينهون علاقتهم بالكتاب فور انتهاء سنوات دراستهم، وهو أمر ينطبق حتى على أساتذة الجامعات، الذين يعلن الكثيرون منهم انهم لا يحبون القراءة، ولذلك ينهون هم ايضا علاقتهم بالكتاب فور ترقيهم في سلمهم الوظيفي، بل إن بعضهم فصل من التدريس الجامعي، لأنه تجاوز المدة الزمنية التي يجب أن يقدم خلالها أبحاثه للترقية، وعلى سيرة الأبحاث فمن الظواهر المؤلمة المنتشرة في مجتمعنا والتي تؤكد أننا مجتمع لايقرأ ظاهرة تجارة الأبحاث التي يشتريها طلاب الجامعات لغاية النجاح، ويشتريها بعض مدرسي الجامعات لغايات الترقية، لأن هؤلاء وأولئك لا يحبون القراءة وبالتالي لا يستطيعون إنجاز الأبحاث التي تطلب منهم.
انتشار آفة عدم القراءة في المجتمع تعرضه للعديد من الأخطار، من اخطرها انه هش ضعيف سهل الاختراق، ويصبح مجتمعا سهل الانقياد، خاصة للإشاعات الهدامة، التي تهدف إلى خلخلته وتشويشه، لأنه مجتمع لا يقرأ وبالتالي لا يبذل جهدا للبحث عن الحقيقة، أي أنه مجتمع لا ينتمي لثقافة (فتبينوا). التي تحمي المجتمع من شراك الفتن.