اليوم نواجه ظاهرة مقلقة: تطبيع الخطأ وتبرير الحرام. نرى من يكذب فيُكرَّم، ومن يعتدي فيُبرَّر له، ومن يخالف القانون فيجد من يقول: "ما وقفت علينا… الكل هيك بعمل". مثل هذه العبارات ليست مجرد تبريرات فردية، بل مؤشر على اهتزاز ميزان القيم، وانزلاق نحو فوضى أخلاقية تتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ومن أخطر الأمثلة على ذلك تراجع قيمة التعليم في نظر بعضهم. عندما يصبح التحصيل العلمي شكليًا، وتغيب الجدية، وتضعف المسؤولية، تصبح المخرجات ضعيفة، ويُدفَع بالجيل الجديد إلى سوق الحياة دون سلاح المعرفة، فتتسع فجوة الجهل ويترعرع النفاق والتجاوز والغش. التعليم الضعيف لا ينتج سوى أفراد ضعفاء… ومجتمعات أضعف.
إن تراجع هذه المنظومة يدفع إلى تشكل ثقافة فساد، تبدأ صغيرة في تفاصيل بسيطة، ثم تكبر حتى تصبح "سلوكًا طبيعيًا" لدى بعضهم. وعندما يتشرب الجيل الجديد هذه الثقافة، يصبح الوطن أمام خطر حقيقي؛ خطر يهدد العدالة، ويضعف الثقة، ويقوض الوحدة الوطنية، ويخلق حالة احتقان بين الناس قد تهدد التماسك المجتمعي الذي هو ركيزة أساسية في بناء الوطن .
الفاسد لا ينبت فجأة، بل يُصنع حين نطبع الخطأ، ونبرر الانحراف، ونسكت عن التجاوز. والوطن لا ينهض بالشعارات، بل بنهضة القيم: بالصدق، بالنزاهة، بالاحترام، وبالتعليم الحقيقي الذي يشكل وعي الإنسان ويحصنه من الانجراف.
إن حماية المجتمع لا تبدأ من قوة القانون فقط، بل من قوة الضمير. فإذا صلحت القيم صلح الوطن، وإذا انحدرت… لا يبقى شيء قادرًا على منع التداعي.