اليوم، ونحن نعيش ذروة عصر الرقمنة في عام 2026، أجد نفسي أمام تساؤل يلحُّ على قلمي: هل تحولت الشاشات الزرقاء إلى مرايا بديلة؟ وكيف أثر هذا التحول الرقمي على جوهر "الإنسان" داخل المواطن؟
لقد منحتنا الرقمنة سرعةً مذهلة، واختصرت المسافات بين القرى البعيدة والمراكز الحيوية، فباتت معاملاتنا وخدماتنا تُنجز بلمسة زر. هذا الإنجاز التقني الذي نفاخر به في الأردن هو "الجسد" المادي للتقدم، لكن ماذا عن "الروح"؟ إن الأثر الأعمق للرقمنة لا يكمن في جودة التطبيقات، بل في كيفية إعادة صياغة علاقاتنا الاجتماعية وهويتنا الثقافية.
في الماضي، كانت اللقاءات الأردنية في "الدواوين" و"المضافات" هي المرآة التي تعكس تماسكنا. اليوم، ومع انتقال جزء كبير من حياتنا إلى الفضاء الافتراضي، نخشى أن تتحول الرقمنة إلى جدران تعزل الأرواح بدلاً من أن تجمعها. إن المواطن الأردني الذي كان يقرأ ملامح أخيه في المصافحة واللقاء، بات اليوم يقرؤها عبر "إشعارات" صامتة. وهنا يأتي دورنا كمثقفين وأدباء؛ لنذكر بأن التقنية يجب أن تكون خادماً للإنسان، لا سيدًا عليه.
إننا نريد رقمنة تزيد من "إنسانيتنا"، لا رقمنة تحولنا إلى أرقام في قواعد بيانات. نريد للتكنولوجيا أن تمنح المواطن الأردني وقتًا أكثر ليقرأ، وليبدع، وليجلس مع عائلته، لا أن تسرق منه هدوءه النفسي وسط ضجيج المعلومات. إن الرقمنة الناجحة هي التي تُبقي "المرآة" صافية، ليرى فيها المواطن مستقبله دون أن يفقد هويته أو ملامح روحه الأصيلة.
إنني أدعو من خلال هذه المساحة في "الرأي"، إلى أن نمضي في مشروعنا الرقمي الوطني بقلبٍ أديب وعقلٍ تقني؛ لنبني أردناً يجمع بين ذكاء الآلة ونبل الروح، فتظل أرواحنا في هذا الوطن عصية على "التشفير" أو النسيان.