وبناءً على مذكرة اعتقال صادرة خلال الولاية الأولى لإدارة ترامب، تسلّمت سلطات إنفاذ القانون الأمريكية مادورو تمهيدًا لمثوله أمام القضاء بتهم تتعلق بـ«إرهاب المخدرات» والتآمر لاستيراد الكوكايين وحيازة أسلحة محظورة. غير أن السياق الذي نُفذت فيه العملية يؤكد أن ما جرى يتجاوز إطار الحرب على المخدرات، ليقع في صميم إدارة النفوذ الدولي وتثبيت واشنطن لقواعدها الجيوسياسية في محيطها القريب.
ففنزويلا، الواقعة على ضفاف البحر الكاريبي، تُعد ساحة خلفية لصيقة بالأمن القومي الأمريكي، وترتبط مباشرة بعقيدة مونرو التي أرساها الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو في القرن التاسع عشر، والتي هدفت إلى تحييد نصف الكرة الغربي عن التدخلات الأوروبية مقابل التزام الولايات المتحدة بالحياد في الشؤون الأوروبية. وقد شكّلت هذه العقيدة تقليدًا راسخًا في السياسة الخارجية الأمريكية، مكّن واشنطن من تأمين محيطها الإقليمي والتفرغ لبناء قوتها الاقتصادية والعسكرية، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في صراعاتها الكبرى.
هذا التأمين الجيوسياسي المبكر كان شرطًا أساسيًا لتمكين الولايات المتحدة من ممارسة الزعامة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يتقاطع مع منطق المدرسة النيوواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى – كما يطرح جون ميرشايمر – أن الهيمنة الإقليمية شرط سابق لأي طموح دولي. ومن هذا المنطلق، يُفهم الحرص الأمريكي التاريخي على عدم الإخلال بتوازنات النفوذ في البحر الكاريبي، حتى في ذروة الحرب الباردة، كما تجسّد في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
وعليه، لا يمكن قراءة عملية "العزم المطلق–Absolute Resolve" بوصفها سعيًا لإسقاط النظام الفنزويلي أو للسيطرة على احتياطاته النفطية – خاصة في ظل الاكتفاء النفطي الأمريكي – بل باعتبارها رسالة استراتيجية تهدف إلى تثبيت الوضع القائم في أمريكا الجنوبية، والإعلان بالقوة أن القارة الأمريكية ما تزال منطقة مغلقة أمام القوى الدولية المنافسة، في إشارة مباشرة إلى روسيا والصين.
وقد جاءت استراتيجية ترامب للأمن القومي، المعلنة قبيل العملية بأسابيع، لتمنح هذا التوجه أساسه النظري، مقدّمة نسخة محدثة من عقيدة مونرو للقرن الحادي والعشرين. ولم يتردد ترامب في التفاخر بما سمّاه "عقيدة دونرو" (دونالد + مونرو)، متوعدًا بأن السيطرة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية "لن تُمسّ بعد اليوم".
ورغم الطابع الانعزالي التاريخي لعقيدة مونرو، إلا أن ثمة شبه إجماع على أن ما جرى في كاراكاس يتجاوز حدوده الجغرافية، ويتردد صداه في أزمات دولية عالقة، بما فيها الشرق الأوسط، ما يجعل من الضروري قراءة "غزوة فنزويلا" في سياق دولي أوسع يتجاوز الحدث ذاته.
إذ تشهد القواعد الناظمة للنظام الدولي القائم على القواعد "Rules – Based International System" مرحلة انتقالية، يجري خلالها تحدّي بعض الأسس التي اعتمدتها الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن الماضي لإدارة تفاعلاتها الخارجية. ولم يعد خرق هذه القواعد مقتصرًا على خصوم واشنطن، إذ برز في ظل أعباء القيادة الدولية نهج سياسي أمريكي، يمثّله ترامب وحركة MAGA، يتجاوز بعض مرتكزات النظام الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد انعكس ذلك في تراجع أولوية قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل متعدد الأطراف، مقابل تركيز متزايد على مقاربة ضيّقة للأمن القومي ترتبط بالتفوق العسكري والريادة التكنولوجية والتقدم الاقتصادي. وفي هذا السياق، تعكس عملية "العزم المطلق" تحولًا في المقاربة الأمريكية، حيث لم يعد التدخل الإنساني أولوية، بل باتت العمليات المحدودة المرتبطة بالأمن الداخلي، ولا سيما في مواجهة تهديدات العصابات وتهريب المخدرات، والتي باتت تُصنّف ضمن التهديدات الإرهابية.
ويشير ذلك إلى أن واشنطن ما تزال ترى نفسها فاعلًا آمرًا "Ordering Agent" في النظام الدولي، سواء عبر التحرك في محيطها القريب استنادًا إلى عقيدة مونرو، أو عبر تأمين الممرات البحرية انطلاقًا من عقيدة كارتر. وعليه، تحمل التحركات الأمريكية رسائل موجهة لصنّاع القرار في العواصم الرئيسية تؤكد جدية واشنطن في إنفاذ إرادتها الدولية، في إطار استعراض للقوة وترسيخ الردع.
ومن الضروري في هذا السياق مراقبة ردود الفعل الاستراتيجية لهذه التحركات، إذ قد يؤدي استعراض القوة إلى تحفيز رفض دولي أوسع ورفع مستويات التوتر والاستنفار في النظام الدولي.