كنت وما زلت أعبر عن تقديري للمستوى الذي وصله مركز الحسين للسرطان، وهو مفخرة للأردن والمنطقة كلها، فقد أدرج اسمه في قوائم المستشفيات العالمية التي تواجه السرطان وقاية وعلاجا ومتابعة بقدرات كبيرة ومشاركة تقنية هائلة وتوأمة مع مستشفيات عالمية مرموقة.
ويرتبط اسم مركز الحسين، بالراحل الذي قضى رحمه الله بالسرطان، فكان الانجاز الذي بدأه معززا باسمه وقد تولت قيادة مختلفة العمل فيه حتى وصل الى ما وصل اليه من تطور وقدرة على استقطاب المساعدات والمنح والدعم، لان العلاج مكلف، والدخل المتأتي من التبرعات المحلية غير كافية لتغطية كلفة العلاجات، وان كان الأردنيون أفراداً ومؤسسات لا يترددوا في تقديم التبرعات السخية للمركز من موقع حرصهم عليه وادراكهم لرسالته.
كنت قرأت اخيراً كتاب السرطان من المسافة صفر .. حين تخون الخلايا، من تأليف الدكتور عاصم منصور مدير عام مستشفى الحسين للسرطان، وقد امضى في تأليفه عدة سنوات ليكون كتابه الرابع، حيث تدور كتبه عن معالجة قضايا طبية، وقد كتبت بلغة علمية أدبية استطاع الدكتور منصور، من خلالها تمرير رسائل عبر اسلوبه المهني الادبي، والسردية الروائية، والقدرة على جعل الاشياء البشعة المخيفة مقبولة، وقابلة للقراءة، لأنه يدرك أن فن الكتابة يعيد تشكيل صعوبات الحياة على نحو أجمل، فمنظر الشحاد في الشارع بشع، ولكن لوحة الشحاد بيعت بالملايين، وهكذا يتبارى أطباء كثيرون غلب عليهم الأدب احيانا، فكانوا أدباء رغم اختصاصهم بالطب وتفوقهم فيه وخدمته.
كتاب حين تخون الخلايا، السرطان المسافة صفر، كتب عنه الكثير ولم يحظ كتاب في حقله بما حظي به هذا الكتاب باهتمام الكُتاب والنقاد، فقد قدم الدكتور منصور السرطان (المخيف) باسلوب سلس وجريء، من خلال تجربته الشخصية في معايشة من اصيبوا، وعمله في مركز الحسين للسرطان، وتدرجه في العمل الى ان أصبح المدير العام للمركز، فالذي قدمه شكل اضاءة انسانية ساطعة كنا بحاجة اليها.
ان يحترف الدكتور عاصم الكتابة عن امراض، أخافت الجمهور وان يطبعها بالكتابة، عن الجائحة كورونا، وكتب أخرى يدفع باتجاه تذكر كتاب وادباء آخرين، عرفوا بالأدب كما عرفوا بالطب، ومنهم نبيل فاروق من مصر الذي كتب في ادب الخيال العلمي، ويوسف ادريس الذي نسي الناس أنه طبيب وقد جاءت شهرته من الادب في كتابة القصة القصيرة، والعلامة مصطفى محمود الطبيب الذي كتب في الفكر والفلسفة، والشاعر ابراهيم ناجي صاحب قصائد وكلمات اغاني أم كلثوم وتحديدا قصيدة الأطلال الشهيرة، وعبد السلام العجيلي الطبيب والروائي السوري.
وهناك في العالم اطباء لامعين احترفوا الأدب، وفي تراثنا العربي يندرج اسم الطبيب الرازي وأبو العلاء المعري، وكلهم برعوا في الآدب والكتابة والفلسفة والشعر وخاصة ابي العلاء المعري ونستطيع أن ندرج صاحب المسافة صفر، حين تخون الخلايا، في هذه القائمة، ونتمنى المزيد من هذه الكتب المقروءة التي تحولت الى دليل نفسي محبب للقراء، ونحو الولوج الى عالم السرطان الموحش، إذ يلعب العامل النفسي الموازي حين يجرد الدكتور عاصم، هذا المرض من اسلحته الفتاكة ويقول إنه يمكن مواجهته بالعلم والتطور والتقنيات الحديثة، والقضاء عليه وضمان حياة مستمرة من قبله وأثنائه ومن بعده.