في السنوات الأخيرة، خرجت الموعظة الدينية والاجتماعية والنفسية عن إطارها التقليدي، ولم تعد محصورة في المسجد أو القاعة أو الكتاب، بل أصبحت حاضرة بقوة على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، هذا الانتشار الواسع جعل الخطاب الوعظي أقرب إلى الناس، لكنه في الوقت نفسه أدخله في منطق جديد تحكمه المشاهدات، والتفاعلات، والعوائد المادية، ومع هذا التحول، بدأ الوعظ في بعض صوره يأخذ طابعا تجاريا، ما أثار تساؤلات حول مشروعيته وحدوده وآثاره.
تقوم الموعظة في الأصل على النصح والإرشاد، وتهدف إلى تهذيب السلوك وبناء الوعي ومساعدة الإنسان على فهم نفسه ومجتمعه، وهي علاقة تقوم على الثقة بين من يقدم النصيحة ومن يتلقاها، وعلى افتراض الصدق وحسن النية، وفي الماضي، حتى حين كان الواعظ يتقاضى أجرا، كان ذلك يفهم بوصفه أجر عمل لا ثمنا للكلمة أو المقصد، لكن الواقع المعاصر غير هذا الفهم، خاصة مع تحول الموعظة إلى محتوى يسوق ويدار كمنتج.
غالبا ما يبدأ التحول التجاري بشكل تدريجي، يقدم الواعظ أو المدرب محتوى مجانيا مؤثرا، يجذب الناس ويكسب ثقتهم، ثم ينتقل إلى عرض دورات مدفوعة، أو جلسات خاصة، أو كتب ومحاضرات، ومع الوقت، تتشكل علامة تجارية أو Brand، ويصبح الخطاب مرتبطا بالترويج والاستمرار والربح، هنا لا تعود الموعظة مجرد نصيحة، بل جزءا من نشاط اقتصادي له جمهوره وسوقه، وهذا الواقع لم يخل من انتقادات، من أهمها أن القيم الدينية أو الأخلاقية قد تتحول إلى سلع تباع، فتفقد عمقها ومعناها الحقيقي، فبدل أن تكون الموعظة دعوة للتأمل والتغيير المتدرج، تتحول أحيانا إلى عبارات سريعة وحلول جاهزة، تناسب منطق الاستهلاك أكثر مما تناسب طبيعة الإنسان وتعقيد مشكلاته.
كما يثار الشك في نية من يقدم هذا الخطاب، خاصة عندما يصبح الجانب المادي ظاهرا ومهيمنا، المتلقي قد يتساءل: هل الهدف هو مصلحتي وفائدتي، أم زيادة المبيعات والمتابعين؟ هذا الشك يضعف الثقة، ويجعل الموعظة أقل تأثيرا، حتى لو كان محتواها جيدا في الأصل، والأخطر من ذلك هو استغلال مشاعر الناس، خاصة الخوف والحزن والشعور بالذنب، في بعض الحالات، يقدم المنتج أو الدورة على أنه الحل الوحيد أو الطريق الأسرع للخلاص، ما يجعل الإنسان متعلقا بالواعظ أو المدرب بدل أن يعتمد على وعيه وقدرته على التغيير.
مع ذلك، لا يعني هذا أن كل مقابل مادي هو أمر مرفوض، فبذل الجهد والوقت يستحق التقدير، والاستمرار في العمل يحتاج إلى موارد، المشكلة ليست في المال نفسه، بل في تحوله إلى الهدف الأول، حين يصبح الربح هو الغاية، تفقد الموعظة صدقها، وحين يبقى وسيلة، يمكن للرسالة أن تبقى نزيهة ومؤثرة.
لتجنب الآثار السلبية لهذا التحول، لا بد من الالتزام بجملة من الضوابط، أهمها الوضوح والصدق في ما يقدم، وعدم المبالغة في الوعود أو الادعاء بالقدرة على تغيير حياة الناس بسرعة، كما يجب الفصل بين النصيحة والإعلان، حتى لا يشعر المتلقي أن كل موعظة هي مجرد دعوة للشراء، كذلك إتاحة جزء من المحتوى بشكل مجاني لخدمة الناس، والامتناع عن المتاجرة بآلامهم وأزماتهم، الموعظة الحقيقية تهدف إلى تمكين الإنسان، لا إلى إبقائه في حالة اعتماد دائم على شخص أو برنامج أو دورة.
في النهاية، يمكن للموعظة أن تتطور وتواكب العصر، بل وأن تكون عملا منظما، دون أن تفقد معناها، إذا حافظت على أخلاقياتها ورسالتها، أما حين تختزل في منطق السوق وحده، فإنها تفقد روحها، وتتحول من أداة إصلاح وبناء إلى سلعة عابرة، سريعة الاستهلاك، قليلة الأثر.