يُعَدّ تحليل المنفعة والتكلفة (Benefit–Cost Analysis) اساسيًا في تقييم السياسات العامة والمشروعات الاقتصادية، إذ يهدف إلى قياس المنفعة الاجتماعية الناتجة عن أي تدخل حكومي، ومقارنته بالتكاليف المترتبة عليه.
غير أنّ هذا الإطار التحليلي التقليدي يستند إلى فرضية العقلانية التامة للأفراد وتجانس تفضيلاتهم، وهي فرضيات أثبتت التجربة العملية قصورها. ومن هنا ولد الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) بوصفه مدخلاً تحليلياً مكمّلاً، يعيد الاعتبار للعوامل النفسية والسلوكية التي تؤثر في اتخاذ القرار الاقتصادي.
يركّز الاقتصاد السلوكي على أن الأفراد لا يقيّمون المنافع والتكاليف بصورة موضوعية دائماً، بل يتأثرون بانحيازات معرفية وسلوكية مثل النفور من الخسارة، والتحيز للوضع القائم، والخوف من تغييره، وتأثير طريقة عرض الخيارات (Framing Effect) على ميلنا لها.
هذه الانحرافات -ان صح التعبير- عن العقلانية الفردية التامة، تؤدي إلى فجوة بين التقديرات النظرية للمنافع والتكاليف وبين السلوك الفعلي للأفراد، مما يجعل نتائج تحليل المنفعة–التكلفة التقليدي غير واقعية ما لم تُدمج فيها الأبعاد السلوكية.
زد على ذلك، تبرز مسألة التوزيع العادل بوصفها عنصراً محورياً في تقييم السياسات الاقتصادية، فتحليل المنفعة–التكلفة في صورته الكلاسيكية يركّز على تعظيم صافي المنفعة الكلية للمجتمع، دون إيلاء اهتمام كافٍ لعدالة هذا التوزيع للمنافع والكلف بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
وهنا يقدّم الاقتصاد السلوكي رؤية أعمق، إذ يجلي اهتمام الأفراد الكبير بالعدالة التوزيعية ورهف احساسهم بالإنصاف، وأن رفض السياسات العامة لا يعود بالضرورة إلى ضعف كفاءتها الاقتصادية، بل إلى احساس المجتمع بعدم انصافها في توزيع الأعباء والمكاسب.
في السياق الأردني، تتجلّى أهمية الربط بين الاقتصاد السلوكي وعدالة التوزيع وتحليل المنفعة–التكلفة في ظل التحديات الاقتصادية القائمة، مثل محدودية الموارد، وارتفاع كلفة المعيشة، وتفاوت الدخل بين الفئات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، قد تُظهر تحليلات المنفعة–التكلفة أن رفع الدعم أو السياسات الضريبية تحقق وفرة مالية للدولة، إلا أن تجاهل آثارها التوزيعية والسلوكية قد يؤدي إلى مقاومة اجتماعية تقلّل من فعاليتها أو تُفشلها بالكامل.
لذلك فإدماج الجانب السلوكي في تحليل المنفعة والكلف في السياسات الاقتصادية الأردنية يقتضي إعادة تصميم هذه التوجهات والسياسات بحيث تراعي استجابات الأفراد المتوقعة، فعند تقييم سياسة رفع الدعم أو إعادة هيكلة التعرفة، لا يكفي قياس الوفرة المالية فقط، بل يجب تقدير الأثر النفسي على الأسر ذات الدخل المحدود، وكيفية إدراكها للخسائر قصيرة الأجل مقارنة بالمنافع طويلة الأجل. كما أن اعتماد أدوات تعويضية واضحة وموجّهة، والتواصل الشفاف مع المواطنين، يمكن أن يحسّن من القبول المجتمعي ويعزّز الكفاءة الاقتصادية في آنٍ واحد.
وفي مجال سوق العمل والتنمية الاقتصادية، يُظهر الاقتصاد السلوكي أن عدالة توزيع الفرص لا تقل أهمية عن حجم المنافع الإجمالية، فالسياسات التي تستهدف خفض البطالة أو تشجيع ريادة الأعمال في الأردن ينبغي أن تراعي الحواجز السلوكية مثل الخوف من المخاطرة، وضعف الثقة بالمستقبل الاقتصادي، وعليه، فإن تضمين هذه العوامل ضمن تحليل المنفعة والكلفة يعطي تقييما أكثر واقعية للعائد الاجتماعي للبرامج الحكومية، خاصة تلك الموجهة للشباب.
ختاماً، إن الجمع بين الاقتصاد السلوكي واعتبارات العدالة والإنصاف ضمن إطار تحليل المنفعة والتكلفة يمثّل تطوراً نوعياً في منهجية تقييم السياسات العامة في الأردن. فهو ينقل هذه التوجهات من مجرد حسابات رقمية مجرّدة إلى فهم أشمل للسلوك الإنساني والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي يسهم في صياغة سياسات أكثر فعالية، وقبولاً على صعيد المجتمع، وأكثر انسجاماً مع أهداف التنمية الاقتصادية المستدامة في الاقتصاد الأردني.