لم يكن مشروع مدينة عمرة بحاجة إلى وقت طويل حتى يتحول من فكرة تنموية كبرى إلى هدف لحملة انتقادات صاخبة، تجاوزت حدود النقد المشروع، وانزلقت في كثير من الأحيان إلى شعبوية سهلة تُرضي الغضب العام أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
فالسؤال لم يعد: هل المشروع مثالي؟
بل أصبح: هل قرأ المنتقدون المشروع أصلًا؟
رفض تلقائي… بلا بدائل
أكثر ما يلفت في الهجوم على «مدينة عمرة» أن غالبية الأصوات الرافضة لا تقدّم بديلاً واحدًا. لا خطة لإدارة التوسع السكاني، ولا تصور لكيفية تخفيف الضغط عن عمّان والزرقاء، ولا رؤية اقتصادية طويلة الأمد.
المدينة الجديدة تُهاجم لأنها «مدينة جديدة»، وكأن التخطيط للمستقبل بات تهمة، وكأن الدولة مطالبة بأن تعيش في إدارة الأزمات اليومية فقط، دون أن تفكر بما سيحدث بعد عشر أو عشرين سنة.
هذا النوع من الرفض ليس نقدًا، بل تعطيل ذهني مريح:
لا تبنِ، لا تخطّط، لا تخاطر… فقط أبقِ الوضع كما هو، مهما كان مختنقًا.
الاستثمار أصبح شبهة!
من المفارقات أن بعض المنتقدين يرفعون شعار «نريد فرص عمل»، ثم يهاجمون أي مشروع قادر على جذب استثمارات كبرى بحجة أنه «للمستثمرين».
فهل أصبحت الاستثمارات جريمة؟
وهل خلق الوظائف يتم بالخطابات أم بالمشاريع؟
مدينة عمرة، كغيرها من المدن الجديدة في العالم، لن تُبنى بالنيات الحسنة وحدها، بل بالمال، والشراكات، ورأس المال المحلي والأجنبي. تصوير ذلك كخيانة اجتماعية يعكس فهمًا مشوّهًا للاقتصاد، أو تجاهلًا متعمدًا لكيف تُدار الدول الحديثة.
خطاب الغضب بدل خطاب الأرقام
اللافت أن معظم الهجوم لم يستند إلى:
دراسات جدوى.
أرقام تمويل.
نماذج اقتصادية.
أو حتى مقارنة بتجارب إقليمية.
بل استند إلى جملة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة:
«الناس تعبانة».
نعم، الناس تعبانة، لكن هل الحل هو شلّ أي مشروع طويل الأمد؟
وهل معالجة التعب تتم بإيقاف التخطيط أم بتحسينه؟
الخلط بين المعاناة اليومية ورفض أي رؤية مستقبلية هو ابتزاز عاطفي لا يصنع سياسات عامة، ولا يبني دولًا.
مواقع التواصل: مناقصة للغضب
تحوّلت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى محكمة تصدر أحكامًا فورية:
المشروع فاشل، المدينة وهم، الأموال مهدورة، النوايا مشبوهة.
كل ذلك دون وثائق، ودون انتظار مراحل التنفيذ، ودون إدراك أن أغلب الدول التي نجحت اليوم تعرضت مشاريعها الكبرى في بداياتها لهجوم مشابه… من نفس النوع، وبنفس اللغة.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يضغط لتحسين المشروع، بل يسعى إلى إجهاضه نفسيًا قبل أن يبدأ.
نقد مشروع أم تصفية حسابات؟
لا يمكن تجاهل أن بعض الأصوات تستثمر في الهجوم لأسباب:
سياسية.
شعبوية.
أو بحثًا عن حضور إعلامي سريع.
فالهجوم أسهل من الشرح، والرفض أسرع من الدراسة، والتشكيك أكثر جاذبية من التحليل. وفي هذه البيئة، يصبح مشروع بحجم «مدينة عمرة» فرصة ذهبية لمن يريد ركوب موجة الغضب العام.
نعم، المشروع ليس مقدسًا… لكن
مدينة عمرة ليست فوق النقد، ولا يجب أن تكون. لكن النقد الحقيقي يسأل:
كيف نضمن العدالة الاجتماعية داخل المشروع؟
كيف نربطه بتطوير المدن القائمة؟
كيف نمنع تحوله إلى جزيرة معزولة للنخبة؟
أما الاكتفاء بالصراخ ورفع الشعارات، فهو لا يحمي الفقراء، ولا يبني مساكن، ولا يخلق وظيفة واحدة.
الخلاصة: أخطر ما في الهجوم أنه بلا رؤية
أخطر ما في الهجوم غير المبرر على «مدينة عمرة» ليس قسوته، بل سطحيته. لأنه يختزل مشروعًا استراتيجيًا في شعور لحظي بالغضب، ويستبدل النقاش الوطني الجاد بحملة رفض جماعي بلا بدائل.
الدول التي تتوقف عن التخطيط خوفًا من النقد، هي دول تحكم على نفسها بالبقاء في المكان نفسه… بينما العالم يتقدم.
أما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح، فليس:
لماذا نبني مدينة جديدة؟
بل:
لماذا يخاف البعض من أي مشروع يُجبرنا على التفكير خارج إدارة الأزمة؟
مع ذلك، يحظى المشروع بدعم واسع، حيث أظهرت استطلاعات أن 93% من الأردنيين يؤيدونه كمحفز للتنمية وفرص العمل، و80% يرونه مهماً اقتصادياً. أعمال البنية التحتية بدأت مؤخراً، وتُفتح فرص استثمارية.
في النهاية، يبدو أن “الهجوم” الرئيسي هو إشاعات مضللة، ربما مدفوعة بمصالح سياسية أو اقتصادية، أو عدم فهم لطبيعة المشروع، بينما الانتقادات الأخرى تعكس نقاشاً مشروعاً حول الأولويات الوطنية.