أعادَ ملخص سياسات أصدره منتدى الاستراتيجيات الأردني في كانون الأول 2025 فتح ملفٍ اقتصادي طالما جرى التعامل معه بتبسيط لا يناسب أهميته، وهو ملف الإنتاجية حيث أظهر التقرير مفارقة لافتة للنظر.. فالأردنيون يعملون لساعات طويلة مقارنة بالعديد من دول العالم، ومع ذلك يبقى العائد الاقتصادي لكل ساعة عمل متدنياً، ولا تمثل هذه المفارقة مجرد خلل إحصائي، بل تعكس إشكالية أعمق في فهم العمل نفسه، وفي الطريقة التي يُنظَّم ويُقاس بها.
لفهم هذه الإشكالية، لا بد من التوقف عند المعنى المهني للإنتاجية، فالإنتاجية في الاقتصاد وعلم التنظيم لا تُقاس بعدد ساعات العمل أو بحجم الجهد المبذول، بل بكفاءة تحويل المدخلات، من وقت ومهارات ورأس مال إلى قيمة حقيقية، فضمن سياق هذا التعريف يمكن لمجتمع أن يعمل أقل وينتج أكثر، كما يمكن لآخر أن يعمل كثيراً دون أن يحقق أثراً اقتصادياً يُذكر، لذلك فإن ربط الإنتاجية بالإرهاق أو المقياس الزمني هو تبسيط يبتعد عن جوهر المسألة.
ينقلنا هذا التعريف من التركيز على الأفراد إلى النظر في الأنظمة التي يعملون داخلها، فالدراسات الحديثة في الاقتصاد السلوكي وعلم النفس التنظيمي تُظهر أن الإنتاجية هي نتاج تصميم المؤسسات، ووضوح الأهداف، ونوعية الحوافز، ومستوى الثقة، حين تكون الأدوار غير واضحة، والتغذية الراجعة ضعيفة، والمكافآت غير مرتبطة بالنتائج، يصبح هدر الجهد نتيجة متوقعة لا استثناءً.
في الحالة الأردنية، تتجلى هذه المشكلة بوضوح في ثقافة عمل تميل إلى مكافأة التقيد بنظام الحضور أكثر من مكافأة حجم الإنجاز، ففي كثير من المؤسسات، خاصة الكبيرة والعامة، يتحول الوقت إلى بديل عن الأداء، وتُصبح ساعات العمل الطويلة إشارة أمان وظيفي أكثر منها أداة إنتاج، ومن منظور سلوكي، هذا النمط ليس دليلاً على الكسل أو ضعف الالتزام، بل استجابة عقلانية لبيئة لا توفّر مؤشرات أداء واضحة ضمن معيار مدروس ولا تربط الجهد المبذول بالأثر والنتيجة.
ينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بـ«وهم الجهد»، فطول اليوم الوظيفي يعطي انطباعاً بالعمل المستمر، لكنه لا يضمن تركيزاً أو إبداعاً أو قيمة مضافة، ومع تراكم الإرهاق الذهني، يتراجع مستوى الانتباه، ويتعلم الأفراد تنظيم طاقتهم على أساس الاستمرار لا الفاعلية، وبمرور الوقت يصبح الحفاظ على الوتيرة أهم من تحقيق النتيجة، ويتحوّل العمل إلى أداء شكلي يستهلك الوقت دون أن يستثمره.
يتعزز هذا الخلل مع سوء توزيع المهارات داخل سوق العمل، فالأردن رغم استثماراته الكبيرة في التعليم، يواجه فجوة واضحة بين مؤهلات الأفراد وطبيعة الأدوار والمهام التي يشغلونها، تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن الإنتاجية تنخفض ليس فقط عندما تكون المهارات محدودة، بل أيضاً عندما تكون غير مستخدمة، فحين يُوظَّف رأس المال البشري في مهام روتينية منخفضة القيمة تصبح زيادة ساعات العمل أو التوسع في التدريب العام حلولاً محدودة الأثر، لأن المشكلة تكمن في تصميم الوظائف لا في قدرات العاملين.
ولا يمكن فصل ذلك عن السياق المؤسسي الأوسع، حيث استهلاك الإجراءات المعقدة، وتعدد مستويات الموافقة، وبطء اتخاذ القرار، جزءاً كبيراً من وقت العمل اليومي، ففي مثل هذه البيئات، تُستنزف الطاقة في الانتظار والمتابعة والاجتماعات المتكررة، ما يخفض الإنتاجية حتى لدى الأفراد الأكثر كفاءة والتزاماً.
تُظهر التجارب العالمية أن كسر هذا النمط لا يتحقق عبر العمل لساعات أطول، بل عبر إعادة تنظيم العمل نفسه، ففي ألمانيا، ارتبط ارتفاع الإنتاجية بوضوح الأدوار والمسارات المهنية وربط التعليم باحتياجات السوق، وفي دول شمال أوروبا، تترافق ساعات العمل الأقصر مع إنتاجية أعلى بفضل الثقة والاستقلالية وربط المكافأة بالنتائج، وأما في اليابان وإستونيا، فقد ساهمت مراجعة العمليات، وتقليص الإجراءات، ورقمنة الخدمات في رفع العائد دون زيادة الجهد المبذول.
بالنسبة للأردن، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مطالبة العاملين ببذل جهد أكبر، بل في إزالة العوائق التي تُفرغ الجهد القائم من قيمته، ويبدأ ذلك بإعادة تعريف الأداء، وبناء مؤشرات واضحة للنتائج، وتمكين العاملين من استخدام مهاراتهم فعلياً داخل بيئات عمل تقوم على الثقة والمساءلة.
في النهاية، تعكس الإنتاجية طريقة المجتمع في تنظيم الجهد وتقدير القيمة واحترام الوقت والانتباه البشري. ومع أن التحدي الذي يواجهه الأردن عميق ومركّب، إلا أنه قابل للتطوير والإصلاح، فحين يُعاد تصميم العمل ليكافئ الأثر لا الحضور، يمكن أن يتحول الجهد اليومي من عبءٍ ثقيل إلى قوة حقيقية للنمو والكرامة معاً.
باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية