أقرّ المشرّع الأردني قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية رقم 14 لسنة 2025 بوصفه الإطار العام الذي يعرّف الأصل الافتراضي، وينظم الأنشطة المتعلقة به مثل التداول والحفظ والوساطة والإصدار. وقد شكّل هذا القانون نقلة مهمة نحو الاعتراف التشريعي بالأصول الافتراضية بعد سنوات من التحذيرات والفراغ التنظيمي. وجاء نظام ترخيص مزودي خدمات الأصول الافتراضية لسنة 2025 ليقدّم التفاصيل الإجرائية والتقنية التي يحتاجها السوق، مثل شروط الترخيص، متطلبات رأس المال، التدقيق الفني، الالتزامات التشغيلية، معايير الامتثال، ومتطلبات الأمن السيبراني. ويُعد هذا النظام خطوة أساسية لتمكين التطبيق العملي للقانون، إذ لا يمكن للقانون أن يكون نافذًا بصورة فعالة دون وجود أنظمة تفصيلية واضحة.
يُعد إطار MiCA الأوروبي، وهو اختصار Markets in Crypto-Assets Regulation، أكثر الأطر التنظيمية شمولًا على المستوى العالمي. وقد وضع تصنيفًا دقيقًا للأصول المشفرة، وفصل بين الرموز الخدمية والرموز المرجعية والرموز المالية، كما فرض معايير صارمة للإفصاح، وإدارة المخاطر، والحوكمة المؤسسية، وحماية أموال العملاء، والأمن السيبراني. وعند مقارنة MiCA بالإطار الأردني، يظهر أن القانون الأردني والنظام التنفيذي لم يتطرقا إلى تصنيف تفصيلي مماثل، وهو ما يُضعف الوضوح القانوني، وقد يؤدي إلى تضارب في الاختصاص الرقابي. كما لم يعالج المشرّع الأردني تنظيم العقود الذكية أو المسؤولية البرمجية، بينما يتناول MiCA هذه المسائل بشكل متقدم يراعي التطور التقني وسلامة المستخدمين.
أما التجربة الإماراتية عبر هيئة VARA، وهي اختصار Virtual Assets Regulatory Authority، فتقدم نموذجًا تنظيميًا متقدمًا يقوم على استقلالية الجهة الرقابية واعتماد نظام متعدد المستويات للترخيص، والالتزام بمعايير أمن سيبراني إلزامية مثل ISO 27001 واختبارات الاختراق الدورية، إضافة إلى حماية أموال العملاء عبر أنظمة فصل محاسبي وتشغيلي دقيقة. ويكشف هذا النموذج عن درجة نضج عالية في التعامل مع المخاطر التقنية والمالية مقارنة بالنظام الأردني الذي ما تزال متطلباته السيبرانية عامة وغير ملزمة تفصيليًا.
وتبرز في الإطار الأردني مجموعة من التحديات، أهمها غياب تصنيف قانوني واضح للأصول الافتراضية، وافتقار القانون والنظام إلى معالجة موضوع العقود الذكية والمسؤولية البرمجية، وعدم وجود إطار ضريبي يوضح كيفية معاملة أرباح الأصول الافتراضية، إضافة إلى ضعف الربط بين تنظيم الأصول الافتراضية وقانون حماية البيانات الشخصية أو قواعد الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يربط MiCA منظومته باللائحة الأوروبية لحماية البيانات GDPR، كما تدمج VARA بين حماية البيانات والأمن السيبراني والامتثال المالي في إطار واحد متكامل.
وعلى الرغم من أن القانون والنظام الأردنيين يشكلان خطوة مهمة لتأسيس بيئة تنظيمية جديدة، فإن المقارنة الموضوعية مع MiCA وVARA تكشف عن حاجة ملحّة لتطويرات جوهرية تشمل وضع تصنيف قانوني دقيق للأصول، وتحديد المسؤولية البرمجية، وتنظيم العقود الذكية، وفرض معايير سيبرانية إلزامية، ووضع إطار ضريبي واضح، وتعزيز الدور القضائي في بناء اجتهاد يحقق الأمن القانوني للمستثمرين.
وبذلك يمكن القول إن نجاح التشريعات الأردنية الجديدة في تنظيم الأصول الافتراضية وضبط أسواقها الرقمية يظل رهينًا بمدى قدرة المشرّع على استكمال البناء التنظيمي، وتبني معايير دولية واضحة، ومواءمة حاجات السوق المحلي مع التطور التكنولوجي العالمي، وبغير ذلك سيظل الأردن في بداية الطريق مقارنة بالنماذج الأكثر نضجًا مثل MiCA وVARA.
كلية الحقوق جامعة فيلادلفيا