من الإنصاف الإشارة وبكل قوة لما هو إيجابي في أي نشاط او قرار او إجراء يتم على مستوى الأردن ومن أي كان سواء حكومة او قطاع خاص او أي طرف لان الرسائل الإيجابية بحد ذاتها رسالة مهمة في المحتوى والشكل والمضمون وهذا ما اود الإشارة اليه في موازنة العام 2026 والتي جاءت في مرحلة دقيقة يشهد فيها الاقتصاد العالمي اضطراباً واسعاً نتيجة التحولات الحادة في السياسات التجارية، وتزايد الحمائية، وتصاعد مخاطر الديون، وتباطؤ النمو في معظم الاقتصادات الكبرى. وفي ظل هذا المشهد الملبّد بالتحديات؛حرصت الحكومة على تقديم الموازنة العامة لعام 2026 ضمن قراءة واقعية محلية وخارجية لكل ما سبق. ويمكن القول ان الحكومة قد استندت على ركيزتين أساسيتين في اعداد الموازنة لعام 2026 وهما: التحصين المالي لضمان الاستقرار والاستدامة، والتمكين الاقتصادي لتعزيز الإنتاجية وتحفيز النمو عبر الاستثمار الموجه. فإذا ما نظرنا الى مبدأ التحصين المالي وتعزيز متانة المركز المالي نجد ان موازنة 2026 تعكس التزاماً واضحاً باستمرار نهج الانضباط المالي، إذ ترتفع الإيرادات العامة إلى نحو 10.93 مليار دينار، مدفوعة بتحسين كفاءة التحصيل وتوسيع قاعدة الإيرادات المحلية. وفي المقابل، تنمو النفقات العامة بوتيرة معتدلة لا تتجاوز 6.4%، بما يحافظ على التوازن بين تلبية الاحتياجات الأساسية وضبط مسار الإنفاق؛فيما يُسجل مؤشر الاعتماد على الذات تقدّماً مهماً، حيث سترتفع نسبة تغطية النفقات الجارية من الإيرادات المحلية إلى 89%، مقارنة بـ 84% قبل عامين، وهو تطور يعكس قدرة مالية متنامية ويحدّ من اللجوء إلى الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية. أما العجز المالي، فيواصل مساره التراجعي ليبلغ 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تحسّن ملموس في العجز الأولي الذي ينخفض إلى 1.3%. ويُعد هذا التحسن عنصراً رئيسياً في تعزيز الاستدامة المالية وفي دعم ثقة المؤسسات الدولية بصلابة البرنامج الوطني للإصلاح المالي والاقتصادي. وفي جانب الحماية الاجتماعية، وهي إحدى ركائز التحصين الاجتماعي، خصصت الموازنة مبالغ كبيرة لضمان استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً، من بينها 280 مليون دينار للمعونة الوطنية، و171 مليونًا لدعم الخبز والسلع الأساسية، و124 مليونًا لمعالجة مرضى السرطان عبر بند جديد يعكس حساسية البعد الإنساني والاجتماعي للموازنة. كما ارتفعت مخصصات دعم الجامعات وصندوق دعم الطالب، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وأما إذا ما حاولنا ان نبحث في موضوع التمكين الاقتصادي ودعم الاستثمار الموجه فإنه رغم محدودية الهوامش المالية، خصصت موازنة 2026 نحو 1.6 مليار دينار للإنفاق الرأسمالي، بارتفاع نسبته 16.8% مقارنة بإعادة تقدير 2025. ويأتي هذا التوسع الممنهج ليؤكد توجه الحكومةنحو توظيف الموارد المتاحة في مشاريع ذات أثر مباشر على النمو والتشغيل، وفي مقدمتها مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي التي خُصص لها 396 مليون دينار، بزيادة 17.5% عن العام السابق. وتتوزع المشاريع الرأسمالية على أولويات وطنية تشمل 60 مليون دينار لمشروع الناقل الوطني، 35 مليوناً للتنقيب عن غاز الريشة، 210 ملايين لتنمية البلديات، 100مليون لمشاريع المحافظات (اللامركزية)،50مليوناً لهيئة تنشيط السياحة و26مليوناً لتطوير منظومة النقل العام.ويمثل هذا التوجيه للإنفاق الرأسمالي رافعة أساسية لتمكين الاقتصاد، إذ يركز على القطاعات ذات الأثر المضاعف على النمو، ويعزز جاهزية البنية التحتية، ويخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي.
تعمل الموازنة بالتوازي مع جهود الحكومة في إدارة ملف الدين بكفاءة أعلى، من خلال إعادة هيكلة الاقتراض وتخفيض كلف خدمة الدين عبر إصدارات ميسرة وتبديل الديون مرتفعة الفائدة بأخرى أقل تكلفة، الأمر الذي يدعم الاستدامة المالية على المدى المتوسط مما يتيح المجال لإطار مالي يعزز الاستقرار ويفتح آفاقا للنمو.
وفي المحصلة، تظهر موازنة 2026 قدرة واضحة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار ومتطلبات التنمية، عبر الجمع بين التحصين المالي الذي يرسّخ الأسس السليمة للمالية العامة، والتمكين الاقتصادي الذي يفتح المجال لتعزيز النمو ورفع الإنتاجية. وهي بذلك تشكّل إطارًا متكاملًا يمكّن الحكومة من مواجهة التحديات المختلفة، ويعزز ثقة الشركاء والمؤسسات الدولية فيها، ويمهّد لمسار تنموي أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة، وهنا لا نزعم أن التحديات الهيكلية قد عولجت بالكامل أو أن الموازنة تختلف جوهرياً عن سابقاتها، إلا أن طبيعة الظروف الراهنة تفرض تغيير زاوية النظر عند تقييمها، والتركيز على قراءة أكثر واقعية للتحديات والفرص، مع ضرورة إبراز الجوانب الإيجابية التي تتضمنها.