في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالنُّبل، وتلتقي فيها الأعراف الأردنية بوجدان الصداقة الدولية، حلّ السفير الأمريكي ضيفًا على بيت العزاء في ديوان عشيرة الهزايمة وقبلها في ديوان عشيرة الخريشة الكريمتين الأردنيتين ليشارك أهل الفقيدين ألم الفقد ودفئ المواساة . زيارة بدت في ظاهرها تقليدًا اجتماعيًا بسيطًا لكنها حملت في جوفها رسائل أعمق من الكلمات وأوسع من حدود المناسبة .
لقد قرأ الأردنيون وابناء العشيرتين هذه اللفتة كما تُقرأ النصوص الدافئة الصادقة التي تُلامس القلب أولًا ثم تستقر في العقل معنىً ورمزًا . فالدبلوماسية ، حين تتجرد من البروتوكول تصبح أخلاقًا تمشي على الأرض ، وتتحول السياسة إلى إنسان يمد يده ليخفف عن الآخر وطأة الحزن .
وما فعله السفير الأمريكي لم يكن مجرد أداء واجب بل كان ترجمة حيّة للقيم التي تقول أمريكا إنها تحملها للعالم ، قيم المحبة ، والعدالة ، والمساواة ، واحترام الإنسان وحقه بالكرامة وبالعيش الكريم أينما كان . وقيمٌ كهذه لا تُختبر في الخطابات بل في المواقف الصغيرة التي تصنع الانطباعات الكبيرة .
أما الأردن ، هذا البلد الذي يقف ثابتًا في قلب العواصف منذ عقود ، فقد أرسى بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مدرسة فريدة في الانفتاح والحكمة والتوازن .
ومثل هذه الزيارات ليست إلا اعترافًا بمكانة الأردن ، وبعمق حضوره في وجدان شركائه ، وبأن العلاقة الأردنية–الأمريكية ليست علاقة مصالح عابرة ، بل شراكة راسخة جذورها عميقة في الأرض وفروعها متجهة نحو مستقبل تتقاسمه الدولتان بصدق واحترام .
ولم يكن غريبًا أن يفهم الأردني بطبيعته النبيلة ووعيه العميق، أن السفير الأمريكي حين يدخل بيوت العشائر الأردنية فإنه يطرق أبواب التاريخ والتراث والأصالة والهوية ، فالقبيلة في الأردن ليست مجرد نسب بل مرآة للكرامة وميزان للألفة ومظلة للأمان ، ومن يشاركها حزنها، فقد شارك روحها.
إننا اليوم ، ونحن نثمّن هذه الزيارة التي جاءت نسيمًا لطيفًا تلطف حرارة المصاب ، نوجّه شكرا ًصادقًا للشعب الأمريكي وللولايات المتحدة وسفيرها في عمّان .
ونؤكد ولاءنا واعتزازنا بقيادتنا الهاشمية الرشيدة ، التي جعلت الأردن واحة احترام وثقة وشراكات ممتدة نحو العالم.
رحم الله من فقدناهم ، وجعل مثواهم الجنة ، وجعل ديار أهلهم عامرة بالصبر والسلوان ، وجزى الله كل يدٍ تمتد بالمواساة خير الجزاء ،
فالإنسانية في النهاية، هي اللغة التي يفهمها جميع البشر مهما اختلفت اصولهم ولغاتهم وألوانهم وبلدانهم فنحن جميعا فيها سواء .