في غمرة الحراك الوطني الدؤوب نحو التحديث بمساراته الثلاثة؛ السياسية والاقتصادية والإدارية، والتي ترسم بمجموعها ملامح الأردن الجديد، يطل علينا مشروع "مدينة عمرة" كواحدٍ من الملفات الوازنة التي لا تحتمل القراءات العابرة أو الأحكام الانطباعية المتسرعة. فنحن اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لا نملك ترف التعامل مع المدن الجديدة كمجرد مشاريع عقارية أو محاولات للهروب إلى الأمام، بل نحن أمام "استجابة اضطرارية" تفرضها لغة الأرقام الصماء وحقائق الجغرافيا والديموغرافيا التي لا تجامل أحداً.
حينما وضع جلالة الملك عبدالله الثاني رؤية التحديث الاقتصادي بين أيدينا، كان الهاجس الأكبر هو نوعية الحياة وإطلاق الطاقات الكامنة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يجب أن نقرأ "عمرة". فالعاصمة الحبيبة عمان، وجارتها الزرقاء، باتتا تئنان تحت وطأة ضغطٍ هائل استنزف البنية التحتية والموارد، وتشير القراءات الحصيفة إلى أننا مقبلون على تضاعف سكاني قد يوصل قاطني هاتين المدينتين إلى عتبة الـ 11 مليون نسمة خلال ربع قرن. هنا، يقف المخطط الاستراتيجي أمام سؤال المصير: هل نستمر في سياسة المعالجات الجزئية لمدنٍ لفظت أنفاسها التوسعية الأخيرة؟ أم نمتلك الجرأة الوطنية لفتح نافذة جديدة في جدار المستقبل؟
إن قراءتي لمشروع "عمرة"، من واقع تجربتي الممتدة في العمل البلدي والتنموي والمصرفي، تتجاوز حدود الهياكل الخرسانية الجامدة لتلامس جوهر فلسفة الدولة في الإدارة والاستدامة. ولعل الرهان الحقيقي لنجاح هذا المشروع يكمن في ثلاثة مفاصل حيوية:
أولاً: في الحوكمة.. فصل الملكية عن الإدارة
إن التحدي الأبرز في المشاريع الوطنية الكبرى يكمن في كيفية التحرر من القيود البيروقراطية، والتحول نحو نماذج عمل تفصل بمهنية بين رسم السياسات والإدارة التنفيذية. واليوم، تأتي خطوة تأسيس "الشركة الأردنية لتطوير المدن والمرافق الحكومية" لتكون المظلة السيادية للمشروع، بمثابة تطبيق عملي لهذا الفكر المتقدم. إن إدارة مدينة بحجم "عمرة" بعقلية الشركة القابضة المملوكة للدولة، والتي تخضع لمعايير الرقابة والشفافية الصارمة لكنها تتحرر من قيود الروتين اليومي، هو الضمانة الوحيدة لأن يكون المشروع عابراً للحكومات. فالمشاريع التي تمتد لسنوات طويلة لا يجب أن تظل رهينة لتغير الحقائب الوزارية، بل تحتاج لكيان مؤسسي راسخ، يمتلك الملاءة المالية والمرونة لبناء شراكات ندية مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.
ثانياً: الاقتصاد الأخضر.. من الشعار إلى الممارسـة
لقد علمتنا تجربة الاعتمادية لدى "صندوق المناخ الأخضر" درساً بليغاً: العالم لم يعد يمول البنية التحتية التقليدية، بل يمول الاستدامة. إن محاولة تخضير مدننا القديمة عملية مكلفة ومعقدة، بينما تمنحنا "عمرة" فرصة تاريخية وميداناً رحباً لنطبق فيه أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا البناء الأخضر، والنقل الذكي، وحصاد الطاقة والمياه من نقطة الصفر. هذا ليس ترفاً تنظيرياً، بل هو استثمار ذكي يقلل الكلف التشغيلية للمدينة على المدى البعيد، ويضع الأردن على خارطة التمويل المناخي الدولي كنموذج ريادي لمدن المستقبل منخفضة الكربون.
ثالثاً: التنمية العادلة.. وإنقاذ المركز
إن فلسفة التنمية المتوازنة تقوم دوماً على توزيع المكتسبات بعدالة خارج حدود العاصمة. ومشروع "عمرة"، بموقعه الاستراتيجي المتوسط، لا يأتي ليلغي دور عمان، بل لينقذها. إنه بمثابة "رئة جديدة" نتنفس من خلالها، وصمام أمان يمتص الزيادة السكانية الحتمية، ويخلق مركز ثقل تنموي يولد آلاف الفرص لشبابنا في قطاعات غير تقليدية. أما الحديث عن الكلفة المالية، فيجب أن يوضع في ميزان كلفة الفرصة البديلة؛ فكم ندفع اليوم من ناتجنا المحلي ثمناً للازدحام، والتلوث، وترهل الخدمات؟ إن الإنفاق على بنية تحتية ذكية هو استثمار في أصول الدولة، وهذه الأصول هي الضمانة الحقيقية لقوة اقتصادنا ومنعته.
ختاماً، إن "عمرة" ليست مجرد مخططات هندسية، بل هي اختبار حقيقي لقدرتنا كدولة ومجتمع على صناعة المستقبل بدلاً من انتظاره. إنه استحقاق واجب الأداء تجاه أجيال قادمة من حقها أن تجد مدناً تليق بطموحها. النجاح هنا قرار، يتطلب تضافر الجهود، وتغليب المصلحة الوطنية، والإيمان الراسخ بأن الأردن، بحكمة قيادته ووعي أبنائه، قادر دوماً على تحويل التحديات الصعبة إلى فرص واعدة.