كثيرة هي المواقف التي شرحها التاريخ، وكتب فيها حول فترات مظلمة، وبينها فترة النكسة عام 1967م، والتي كانت إحدى النوازل المدفوعة بالشحن الخطابي، ما جعل دراستها لغاية اللحظة بحاجة لكثير من المراجعات.
ولكن، بين وثائق تلك المرحلة، ما يحكي عن شجاعة الموقف الأردني بقيادة الملك حسين رحمه الله، وصلابة الجيش الأردني، بشهادة من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وهي برقية أرسلها عبد الناصر إلى الملك حسين في السادس من حزيران عام ١٩٦٧م، اي في ثاني أيام معركة النكسة، والجدير ذكره بأنها تشرح دور عبد المنعم رياض والذي كان قائد الجبهة الأردنية بعد انضمام الأردن إلى معاهدة الدفاع المشترك.
ويستفاد من هذه البرقية بأنها تشرح نقطتين، الأولى إشادة عبد الناصر بشجاعة الملك حسين والجيش الأردني، والأهم هو أن عبد الناصر اتفق مع عبد المنعم رياض على إخلاء الضفة الغربية ليلة السادس من حزيران، إثر الضربة القاصمة التي تلقتها القوات المصرية ما ترك الجبهات العربية دون غطاء جوي.
وفي نص البرقية يقول عبدالناصر:"أخي الملك حسين تلقيت برقيتك، وإني لأقدر أننا نواجه لحظة من تلك اللحظات، التي تمر بها الأمة في تاريخها، والتي تتطلب شجاعة تفوق طاقة البشر، في هذه اللحظة يصبح واجبا علينا، مواجهة مقتضيات الموقف، أيا كانت آثارها علينا، إننا نعلم طبيعة الظروف التي تمرون بها في الوقت الذي نواجه فيه جميعا موقفا متدهورا، نتيجة للضربة الجوية القاصمة التي حدثت أمس".
ويشرح عبد الناصر بالقول، إن هذه الضربة وضعت قواتنا في مواجهة قوات متفوقة عليها، في كل الجبهات بدون غطاء جوي.
ويقول مخاطبا الحسين: عندما يكتب التاريخ سوف يذكر لك جرأتك وشجاعتك وسوف يذكر للشعب الأردني الباسل انه خاض هذه المعركة فور أن فرضت عليه دون تردد، ودون اي اعتبار، إلا اعتبار الواجب والشرف، وان العدوان فرض علينا.
ويتابع "وأنه كان علينا مجابهة العدوان بكل ما فيه من قوة وما فيه من غدر وتواطؤ.. ان القرار الذي أراه هو أن تختار ثاني الحلول التي تفاهمت عليها مع الفريق عبد المنعم رياض وهي إخلاء الضفة الغربية الليلة على أن نضع في اعتبارنا رأيكم الأول، الخاص بتدخل مجلس الأمن لإيقاف القتال".
وهذا النص يشرح تباينا فيما كان يريده الملك حسين، والموقف الميداني الذي كان مناطا بقيادة عبد الناصر آنذاك، بموجب اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
وفي البرقية يقول عبد الناصر "إن تاريخ الأمم فيه الأخذ والعطاء، وفيه التقدم والتراجع، فليكن فيما نختاره في هذه اللحظة الحاسمة وإن كان اختيارا عصيبا علينا خطوة نستطيع ان نتقدم منها وهذه إرادة الله".
ويختم بالقول " بقي أن أقول وأنا أعلم كل جوانب الظروف التي نمر بها أن أعبر عن تقديري لموقفك الشجاع، ولإرادتك الحاسمة، وللبطولة التي أظهرها كل فرد في الشعب الأردني والجيش الأردني.
هذه واحدة بين وثائق تشرح كيف كان الأردن على مواقفه ثابتا، وبشهادة تشرح صلابة الموقف الأردني وان قرارات خاطئة اتخذت لم يكن للأردن دور بها، بل كلفتنا الكثير، وأثبتت صوابية الرؤية الحقة للملك حسين، ولجيشنا الأردني.