لقد اختار الأردن نهج الدبلوماسية الهادئة، بعيدًا عن الشعارات الصاخبة أو المحاور المتضادة. فبينما انخرطت بعض الدول في الصراعات، ركزت عمّان على بناء الجسور، سواء مع دول الخليج أو مع العراق وسوريا ومصر. هذه المرونة الاستراتيجية جعلت من الأردن نقطة التقاء نادرة في خريطة الشرق الأوسط، حيث يمكن للقوى المتباينة أن تلتقي على أرضٍ محايدة تستند إلى الثقة والاحترام المتبادل.
في السنوات الأخيرة، برزت ملامح مرحلة جديدة من الدبلوماسية الأردنية. فبدلًا من الاقتصار على الملفات السياسية والأمنية، بدأ الأردن يستخدم أدواته السياسية لتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي. نموذج ذلك يتجسد في مشروع التكامل الثلاثي بين الأردن ومصر والعراق، الذي يهدف إلى بناء شبكة تعاون في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والصناعة. كما برزت علاقات الأردن المتنامية مع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تتجه الاستثمارات الخليجية نحو قطاعات استراتيجية في الطاقة المتجددة والسياحة والبنية التحتية.
وقد انعكس هذا النهج في مؤشرات الاقتصاد الأردني؛ فبحسب دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، بلغ النمو الاقتصادي في الربع الرابع من عام 2024 نحو 2.7٪ على أساس سنوي، مدفوعًا بتحسن قطاعات السياحة والتجارة والخدمات، إضافة إلى زيادة التعاون الاقتصادي مع دول الخليج. وهو ما يعزز فكرة أن الوساطة السياسية الأردنية تُترجم اليوم إلى استقرار اقتصادي واقعي.
وفي هذا الإطار، أصبح الأردن لاعبًا رئيسيًا في معادلة الربط الإقليمي للطاقة والنقل. فمشاريع الربط الكهربائي مع العراق ومصر والخليج تمثل نموذجًا للتكامل العربي القائم على المصالح المتبادلة. كما يُتوقع أن تساهم منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة في تحويل الأردن إلى منصة لوجستية إقليمية، تربط بين البحر الأحمر والخليج والمشرق. ومع تنامي الاهتمام الخليجي بالاستثمار في الأمن الغذائي والمياه والطاقة، يجد الأردن نفسه في قلب هذه الأولويات باعتباره دولة عبور واستقرار.
وتستند هذه الرؤية إلى توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني الذي يؤكد في خطاباته أن “السلام الحقيقي يبدأ عندما تتحول الجهود السياسية إلى فرص تنمية ملموسة في حياة الناس”. فالدبلوماسية الأردنية لم تعد مجرد جسر بين الدول، بل أداة لتحويل الاستقرار إلى قيمة اقتصادية جماعية في الإقليم.
وفي ظل التوترات الإقليمية المتكررة، يواصل الأردن أداء دوره في نزع فتيل الأزمات، سواء عبر المواقف الرسمية المتزنة أو عبر المبادرات الإنسانية والدبلوماسية. فموقفه من الحرب في غزة، ودعوته المستمرة لحماية المدنيين والاحتكام إلى القانون الدولي، عكسا جوهر نهجه في الوساطة القائمة على القيم والإنسانية، لا على المصلحة الضيقة.
ومع التحولات العالمية الجارية، يدرك الأردن أن دوره المستقبلي يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى بناء نموذج تنموي عربي مستقر. فبين عواصم تتنافس على القوة، تبقى عمّان تبحث عن المعادلة التي تربط الأمن بالاقتصاد، والدبلوماسية بالتنمية. إنها المملكة الكبيرة برؤيتها، التي تسعى لأن تكون منصة للحوار الإقليمي وشريكًا في صناعة المستقبل.
لقد أثبتت التجارب أن الوساطة الأردنية ليست موقفًا ظرفيًا، بل رؤية استراتيجية متجذّرة في فهم عميق لطبيعة المنطقة. فكما كانت عمّان صوت العقل في مراحل الحرب والسلام، ها هي اليوم تسعى لتكون عقل التنمية والاستقرار في الشرق الأوسط.
________________________________________
كاتب وباحث أماراتي
X: AlshuaibiJaber