فكثرة المخالفات، وما يرافقها من غرامات مالية، تجعل الكثير من السائقين يعيدون التفكير في جدوى امتلاك سيارة خاصة أو استخدامها بشكل يومي، خصوصاً داخل العاصمة عمّان المكتظة حيث باتت حركة المركبات ساعات الاكتضاظ كدبيب النمل. هنا، يبدأ التوجّه الطبيعي نحو المواصلات العامة كخيارٍ اقتصادي ومنطقي وموفر للوقت والجهد العضلي والضغط النفسي. فبدلاً من دفع مئات الدنانير سنوياً عن مخالفات ووقود وصيانة وترخيص واستهلاك لعمر المركبة، يمكن للأسرة توفير مبالغ ملموسة بالاعتماد على الحافلات المنظمة الجديدة أو "الباص السريع"، الذي أصبح يوفر خدمة أنظف وأقل تكلفة وأكثر التزاماً بالوقت. ونأمل أن يصحب ذلك في المستقبل قطارات خفيفة فوق الأرض ومن تحته (مترو).
ومع تحسّن شبكات النقل العام تدرجياً، تزداد ثقة المواطنين في هذه الوسائل، ما يقلل من عدد المركبات الخاصة في الشوارع، ويخفف من الازدحام والتلوث الذي تعاني منه العواصم والمدن الكبرى بعامة، ويخلق دورة اقتصادية أكثر استدامة. فكل دينار يُوفّر من الوقود والمخالفات يمكن أن يُعاد استثماره في نفقات أكثر أهمية للأسرة، مثل التعليم أو الغذاء أو الصحة أو الرفاهية لرفع هامش السعادة الأسرية.
إلى جانب ذلك، برزت مركبات التطبيقات الذكية منذ زمن كبديلٍ عملي آخر، خاصة عند المقارنة بالتكاليف الحقيقية لامتلاك السيارة. فحين تُحتسب أسعار الوقود أو كهرباء الشحن، واستهلاك الزيت، والصيانة الدورية، وقطع الغيار، والتأمين، والترخيص السنوي، وفوائد القروض وزيادة عمر المركبة، إضافة إلى احتمالية التعرض للمخالفات، يتضح أن استخدام هذه التطبيقات عند الحاجة هو خيار أوفر وأقل توتيراً وأكثر راحة. ومع تشديد الرقابة على قوانين السير سوف يلجأ أصحاب السيارات الخاصة لمركبات التطبيقات أكثر فيتحسن عملهم، وقد بدأوا يلاحظون ذلك، أو يلجأ الناس إلى التشارك في الرحلات وهذا حل رائع لخفض أعداد المركبات في الشوارع.
لكن الأهم من ذلك أن تشديد العقوبات والمخالفات المرورية لم يعد مجرد إجراء ردعي، بل أصبح ضرورة حضرية وأخلاقية لتنظيم الحياة في المدينة. فالاستهتار بالسرعة، وعدم التقيد بالإشارات الضوئية، أو عدم الالتزام بالمسارب، أو الاصطفاف المزدوج، أو التنزه بين مسرب وآخر، كلها سلوكات تسبّب فوضى وازدحاماً وتعرض حياة الناس للخطر. لذلك، فإن التشديد في تطبيق مخالفات السير هو حل مثالي لأزمة المرور في عمّان، لأنه يعيد الانضباط إلى الشوارع ويزرع ثقافة احترام القانون ويعزز من هيبة رجل الأمن.
لقد نجح الأردنيون سابقاً في الالتزام بارتداء "حزام الأمان" بشكل شبه كامل بعد حملات التوعية والمخالفة الصارمة، واليوم يمكن للمجتمع أن يحقق نجاحاً مشابهاً في احترام قواعد السير كلها بلا استثناء، وذلك إذا استمر تطبيق القانون بحزم وعدالة.
في النهاية، المخالفة ليست عقوبة فقط، بل تربية حضرية تسهم في تنشئة الأجيال اليافعة للتقيد بقوانين السير حتى يعرفوا كيف يتدبرون أمورهم في غربتهم في المستقبل، ويتجنبون حوادث السير المؤلمة. وعندما نُغيّر سلوكنا في القيادة، نربح جميعاً: نربح وقتاً، ومالاً، ونفساً أهدأ، ومدينةً أجمل أنظف هواء وأعظم سعادة.