عشتُ في كندا لعدة سنوات، وفي أحد الأيام، دُعيت إلى منزل عائلةٍ أردنيةٍ عريقةٍ استقرّت هناك منذ عقود. استقبلتني سيدةٌ مسنّة تجاوزت الثالثة والثمانين، يشعّ وجهها هدوءًا وتفيض عيناها دفئًا وحنينًا. أخذتني بجولةٍ بين أرجاء بيتها الواسع المملوء بذكريات العمر، بيتٍ يحفظ في زواياه حكاياتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى. كانت تفخر بكل لوحةٍ وكل قطعة أثاث، تروي قصتها كما لو كانت تستعيد فصول حياتها، وكأن الأشياء نفسها تنطق بأسماء أحبّتها. لكن أكثر ما هزّ قلبي كان ابتسامتها الهادئة وهي تشير إلى بعض المقتنيات الثمينة، وتقول بصوتٍ يختلط فيه الأمل بالحنين: "اشتريت هذه الأشياء لأخذها معي عندما أعود إلى الأردن."
توقفت أمام كلماتها طويلاً؛ امرأة تجاوزت الثمانين وما زالت تحلم بالعودة، تحمل الوطن في قلبها رغم طول الغربة وبُعد المسافات. هناك أدركت أن حب الوطن لا يشيخ، وأن الانتماء الحقيقي لا تضعف جذوره مهما طال الغياب. ومن تلك اللحظة قررت العودة، غير آبهة بأي إغراءات أو عروض عمل، فالوطن ليس مجرد مكان نسكنه، بل كيان يسكن فينا.
لكن الواقع اليوم في الأردن يكشف ظاهرة مؤلمة تتزايد عامًا بعد عام: هجرة الكفاءات. أطباء، مهندسون، باحثون وخبراء يغادرون بحثًا عن فرص أفضل، بعدما ضاقت بهم الأبواب هنا. هذا النزيف الصامت لا يمسّ الأفراد فقط، بل يضعف بنية الدولة واقتصادها ومستقبلها التنموي. الهجرة لم تعد مجرد بحث عن المال، بل هروبًا من ضيق الأفق وغياب بيئة تُنصف الجهد وتكافئ الإبداع.
تعود أسباب هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة: محدودية الفرص، ضعف الرواتب مقارنة بالخارج، غياب الحوافز البحثية، وتراجع الإنفاق على التطوير العلمي والتقني. ومع ذلك، ليست الخسارة حتمية إذا أحسنا إدارة الملف بعقلية جديدة. فالحكومة مطالبة بتطوير بيئة العمل، وربط التعليم الجامعي باحتياجات السوق، وتوسيع البحث والتطوير، بينما يجب على القطاع الخاص توفير الفرص العادلة وتحفيز الكفاءات.
وأخيرًا، تبقى العقول الأردنية التي تهاجر حاملة الوطن في وجدانها، تنتظر فرصة حقيقية لتعود وتبني، وتزرع علمها وإبداعها في أرضها. كما أكد الملك الحسين رحمه الله أن "الإنسان أغلى ما نملك"، وهو العمود الفقري الذي يقوم عليه الوطن و ثروته الأغلى، وعلينا أن نحميها ونوفر لها أسباب البقاء والعطاء، لأن الوطن لا ينهض إلا بأبنائه المخلصين، فهم عماده ومستقبله الواعد.