تواجه الاقتصادات المعاصرة تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع المديونية وتراجع فرص العمل وتآكل الطبقة الوسطى، وبذات الوقت يشهد العالم تحولات اقتصادية متسارعة تفرض على الدول مراجعة مساراتها التنموية وبنية النمو الاقتصادي السائدة والبحث عن نماذج أكثر صلابة واستدامة، وفي هذا السياق يبرز التحول إلى النموذج الإنتاجي كأحد الحلول الأكثر واقعية واستدامة لتحسين أوضاع الدخل وتعزيز مناعة الدولة والمجتمع والصمود أمام الأزمات والتقلبات الاقتصادية العالمية.
يقوم هذا النموذج على مبدأ جوهري هو أن «القيمة تخلق بالإنتاج لا بالاستهلاك»، فبدلا من الاعتماد المفرط على القطاعات الريعية أو الإنفاق الحكومي، يركز النموذج الإنتاجي على تمكين القطاعات القادرة على توليد الثروة الحقيقية، مثل الصناعة التحويلية، والزراعة الذكية، واقتصاد المعرفة، والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي لا يعني التخلي عن دور الدولة، بل إعادة تعريفه ليكون موجها ومحفزا، يهيئ البيئة التشريعية والبنية التحتية والتمويل الذكي للقطاعات القادرة على التصدير والابتكار ويحافظ على التوازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، وفي هذا الإطار، تعد «الميزة التنافسية الوطنية» حجر الأساس لأي نهضة إنتاجية، وهي ما ميز الدول التي حققت قفزات اقتصادية خلال العقود الماضية.
بالنتيجة يمكن ان ينعكس التحول الإنتاجي أولا على «تحسين الناتج القومي الاجمالي» عبر زيادة الصادرات وتخفيف فاتورة الاستيراد، وثانيا على «توسيع قاعدة التشغيل» من خلال تحريك الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو مشاريع إنتاجية مستدامة، كما يخلق هذا التحول ثقافة عمل جديدة، تقوم على الإبداع والابتكار والريادة والإتقان بدلا من الاتكال والبحث عن الوظائف الحكومية.
وتثبت التجارب الدولية أن هذا الطريق ممكن ومثمر، فـكوريا الجنوبية تحولت خلال عقود قليلة من دولة زراعية فقيرة إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية بفضل رهانها على التعليم والبحث والتطوير وربط الجامعات بالقطاع الخاص، أما فيتنام، فقد بنت نموذجها الإنتاجي على التصنيع الموجه للتصدير، ما جعلها من أسرع الاقتصادات نمواً في آسيا، ورفعت ملايين المواطنين من الفقر إلى الطبقة المتوسطة، أما سنغافورة، فقد جعلت من موقعها البحري مركزا للخدمات اللوجستية والتجارة العالمية، فحققت معدلات دخل مرتفعة رغم صغر مساحتها، وفي أوروبا، أعادت المانيا بعد الحرب العالمية الثانية بناء اقتصادها على قاعدة «الاقتصاد الاجتماعي للسوق»، حيث شكل دعم الدولة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري لقوتها الصناعية.
في العالم العربي، يبرز هذا التحول كضرورة لا مجال للتأخر في تطبيقه، فالدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية أو المساعدات تواجه هشاشة بنيوية تجعلها عرضة لتقلبات الأسواق، في حين يتطلب الطريق نحو الإنتاج بيئة تشريعية مرنة، وتمويلا ميسّرا للمشروعات الإنتاجية، وربطا حقيقيا بين التعليم وسوق العمل، إضافة إلى دعم الصناعات الوطنية ورفع تنافسيتها في الأسواق العالمية.
ولا يقتصر الانتقال إلى النموذج الإنتاجي على السياسات الاقتصادية فحسب، بل ينبغي ان يكون على شكل تحول ثقافي شامل يعيد الاعتبار لقيمة العمل، ويمنح المواطن شعورا بأنه شريك في التنمية لا مجرد مستهلك لثمارها، فحين تنتج الأمة ما تستهلكه، وتصدر ما تبدع فيه، تصبح قادرة على حماية استقلالها الاقتصادي، وبناء مستقبلها بإرادتها.
هذه النماذج تؤكد أن النجاح لا يرتبط بحجم الموارد بقدر ما يرتبط بحسن إدارتها وتوجيهها نحو الإنتاج الحقيقي، ولأن الأردن يملك مقومات واعدة فهو واقعيا يعد مؤهلا بنسبة جيدة لتبني نموذج إنتاجي متوازن، خاصة وان موارده الطبيعية كالفوسفات والبوتاس والنحاس والسيليكا وغيرها من الموارد والثروات الطبيعية يمكن أن تشكل قاعدة لصناعات تحويلية متقدمة، ناهيك عن موقعه الجغرافي في قلب الإقليم الذي يجعله محورا لوجستيا للتجارة والنقل والطاقة، كما أن موارده البشرية المؤهلة، ومستوى التعليم العالي فيه، يمنحانه ميزة نسبية في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والسياحة بتنوعاتها العلاجية والتاريخية والدينية.
بيد ان بناء اقتصاد إنتاجي أردني يتطلب ربط التعليم بسوق العمل، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات الصناعية والزراعية، وتوسيع نطاق الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوجيه الدعم نحو الإنتاج لا الاستهلاك، فكل دينار يستثمر في مشروع منتج يترجم إلى عمل كريم، وصادرات جديدة، واستقلال اقتصادي أوسع.
في الخلاصة، يمكن البدء بالتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي بالاستناد الى رؤية وطنية متكاملة تبدأ من الاستثمار في الإنسان وجعله محوراً للتنمية واستعادة قيمة العمل عبر تحويله من وسيلة للعيش إلى رافعة للنهوض الوطني الشامل، فعندما يتحول المجتمع من مستهلك للثروة إلى صانع لها، يصبح أكثر قدرة على حماية استقراره وبناء مستقبله بإرادته الحرة، تماماً كما فعلت الأمم التي اختارت طريق الإنتاج فصنعت نهضتها بجهدها وعقلها.