تُروى قصة الأردن للعالم غالباً من خلال صور مألوفة مثل حجارة البتراء الوردية ونجوم وادي رم ومياه البحر الميت الهادئة، لكن خلف هذه الصور تكمن الكثير من اسرار التاريخ التي يجهلها اغلب الأردنيين، فالأردن يحتضن بعضاً من أقدم الشواهد على الوجود الإنساني، ففي عين غزال وُجدت أقدم التماثيل في تاريخ البشرية والتي تعود لأكثر من 12 الف سنة، وعلى أرضه سار أنبياء وأمم وتراكمت طبقات الحضارة فوق بعضها في مساحة لا تتجاوز بضع ساعات من السفر،فهذا التنوع الزمني والجغرافي لا يمتلك مثله سوى عدد قليل من الدول والذي تجاوز عدد مواقعه المسجلة 15 الف موقع، ومع ذلك ما زال أغلبه غير مكتشف من قِبل سكانه أنفسهم، وهنا يبرز السؤال: ماذا لو تعلمنا أن نسافر لا لنستمتع فقط، بل لنفهم ما هي قصة بلدنا.
تركّز أغلب الجهود السياحية في الأردن على المغامرة والترفيه والسياحة الدينية، وهي مجالات مهمة، لكنها لا تمثل سوى جزء من صورة المشهد الحقيقي للأردن، فالسياحة التي تعتمد على الزيارات القصيرة للمواقع المعروفة لا تكفي لبناء علاقة مستمرة مع المكان، لذلك يظهر أمامنا اتجاه واعد يمكن أن يضيف بُعداً جديداً للتجربة السياحية، وهو السياحة التعليمية والمعرفية، أي الرحلات التي تحرّكها الرغبة في التعلم والاكتشاف، فهذا النوع من السياحة يمكن أن يشمل مسارات أثرية لعشّاق التاريخ، أو مسارات دينية تتبع مواقع الإيمان القديمة، أو جولات بيئية في المحميات والوديان، أو زيارات لمشروعات الطاقة المتجددة التي تعبّر عن رؤية الأردن الحديثة، فكل رحلة من هذه الرحلات يمكن ان تتحول إلى درسٍ مفتوح في تفاصيل الجغرافيا والتاريخ والبيئة.
إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي يتطلب فهماً أعمق لكيفية اتخاذ الناس لقراراتهم، ولهذا يحتاج الاردن الى مفهوم جديد لاستراتيجية السياحة بحيث تستند لقواعد السلوك المعرفي الذكي، هذه الاستراتيجية لا تقوم على زيادة الإعلانات أو تخفيض الأسعار، بل على تصميم التجربة نفسها بناءً على ما يدفع الناس فعلاً إلى الاستكشاف، فهي تدرك أن الفضول ينتقل بين الناس كالعدوى، وأن الناس يميلون لتجربة ما يرونه سهلاً وجذاباً ومليئاً بالمعنى، ولتحقيق ذلك يمكن تطوير مسارات قصيرة لعطلة نهاية الأسبوع، أو إنشاء متنزهات أثرية مفتوحة تدمج بين الترفيه والتعلم، أو مسارات تاريخية تربط بين المدن القديمة والمواقع الدينية في خط واحد يروي تطور الإنسان والحضارة على هذه الأرض، فحين تُقدَّم هذه المسارات بطريقة مبسطة ومنظمة، يصبح قرار الزيارة أكثر سهولة وجاذبية، ويشعر الزائر أنه جزء من حكاية ممتدة لا مجرد متفرج عليها.
لقد أثبتت تجارب دولية متفرقة أن هذا النوع من السياحة يمكن أن يخلق ارتباطاً عميقاً بين الزائر والمكان، ففي اليابان مثلاً، طوّرت بعض المدن الصغيرة نموذجاً يقوم على الجولات التي يقودها السكان المحليون أنفسهم، حيث يروون للزوار تفاصيل حياتهم وتاريخ أحيائهم، مما جعل التجربة أكثر صدقاً واستدامة، وفي البرتغال، تبنّت جمعيات محلية فكرة المشي في الأحياء القديمة برفقة سكانها الأصليين لتعريف الزائر على ثقافة المكان من خلال العيون التي تعيشه كل يوم، أما في فنلندا وكوستاريكا، فقد اتجهت المبادرات نحو السياحة التعليمية، حيث تُدمج الطبيعة بالتعلّم العملي في مجالات الطاقة والبيئة والاستدامة.
يمكن أن يمتد هذا المفهوم أيضاً إلى السياحة التي يقودها المواطنون، حيث يصبح سكان المناطق أنفسهم مرشدين يروون تجاربهم اليومية للزوار بلغتهم الخاصة، فيسمع الزائر من المجتمع المحلي ويشعر بأنه جزء من المكان لا مجرد ضيف عليه، فمثل هذه المبادرات لا تحتاج إلى استثمارات ضخمة، بل إلى تمكين محلي وتدريب بسيط على رواية الحدث وتقديم التجربة، وهي قادرة على إحياء المناطق الأقل زيارة وربطها بالاقتصاد الوطني بطريقة مباشرة وإنسانية.
إن هذا التحوّل في النظرة إلى السياحة يحمل بعداً اقتصادياً واجتماعياً عميقاً، لأنه يطيل مدة بقاء الزائر في المنطقة، ويوزّع الدخل على مجتمعاتٍ أكثر، ويخلق فرص عملٍ في الإرشاد والتعليم والحرف والخدمات المحلية، كما أنه يربط المواطن ببلده من خلال التجربة لا الخطاب، ويجعل الزائر الأجنبي يتعرّف على الأردن عبر تفاعلاتٍ حيةٍ مع أهله لا عبر الكتيبات الإعلانية.
أنجح نماذج السياحة في العالم هي تلك التي تفهم السلوك الإنساني قبل السوق، وبالنسبة للأردن، يبدأ هذا الفهم من الداخل، فالاستثمار في السياحة التعليمية والمعرفية ليس نشاطاً ترفيهياً، بل خطوة استراتيجية نحو بناء علاقة جديدة بين الإنسان والمكان، وحين نسافر لنتعلم، نكتشف أن أجمل الرحلات لا تُقاس بالمسافة بل بما نعود به من فهمٍ أعمق، ففي أرضٍ حفظت فصول التاريخ الأولى، وقد تكون أعظم رحلة يمكن أن نقدّمها للعالم هي تلك التي تبدأ بدافع فضولنا نحن لاستكشاف ما لدينا.
باحث في الاقتصاد والعلوم السلوكية