أَوَّلًا، وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، إِنَّ تَوْجِيهَاتِ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبدِ اللَّهِ الثَّانِي بِتَرْسِيخِ مَبْدَأ سِيادَةِ القانُونِ عَلَى الجَمِيعِ – دُونَ اسْتِثْنَاءٍ – هُوَ نَهْجٌ مَلَكِيٌّ حَصِيفٌ، إِذْ إِنَّ جَلَالَتَهُ قَدِ اخْتَطَّ ذَلِكَ النَّهْجَ كَمَبْدَأ رَاسِخٍ مُنْذُ بَوَاكِيرِ تَوَلِّيهِ سُلْطَاتِهِ الدُّسْتُورِيَّةِ، وذلك لقناعته المطلقة أَنَّهُ مُرْتَكَزٌ أَسَاسِيٌّ لِبِنَاءِ الدَّوْلَةِ المَدَنِيَّةِ العَصْرِيَّةِ الحَدِيثَةِ الَّتِي نَتَطَلَّعُ جَمِيعًا إِلَى الوُصُولِ إِلَيْهَا.
وَلَا يَسَعُنَا فِي هَذَا المَقَامِ إِلَّا بالإِشَادَةُ بِحِكْمَةِ وَحِنْكَةِ جَلَالَةِ المَلِكِ الَّذِي آمَنَ مُنْذُ البِدَايَاتِ أَنَّ تَرْسِيخَ سِيادَةِ القانُونِ عَلَى الجَمِيعِ – بِلَا مُحَابَاةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ – ذَاتُ أَثَرٍ مُبَاشِرٍ وَفَعَّالٍ فِي تَحْقِيقِ العَدَالَةِ النَّاجِزَةِ، وَحِمَايَةِ حُقُوقِ الأَفْرَادِ وَالجَمَاعَاتِ، فَضْلًا عَنْ دَوْرِهِ المِحْوَرِيِّ فِي دَعْمِ مَسَارَاتِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدَامَةِ بِأَبْعَادِهَا المُخْتَلِفَةِ وَمَفْهُومِهَا الشَّامِلِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُدَقِّقُ ويتأمل الوَرَقَةِ النِّقَاشِيَّةِ السادسة الَّتِي طَرَحَهَا جَلَالَةُ المَلِكِ قَبْلَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ لِلنِّقَاشِ العَامِّ، يَتَبَيَّنُ لَهُ إِدْرَاكُ جَلَالَتِهِ لِأَبْرَزِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي سَتُوَاجِهُ تَرْسِيخَ هَذَا المَبْدَأ فِي واقع حي ملموس، وَذَلِكَ بِسَبَبِ العُرْفِ العَشَائِرِيِّ وَالعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي تَحْكُمُ مُجْتَمَعَنَا مُنْذُ عَشَرَاتِ العقود .
وَهُنَا قَدِ اقْتَرَحَ جَلَالَتُهُ آلِيَّاتٍ عَمَلِيَّةً لِتَعْزِيزِ هَذَا المَبْدَأ، مُؤَكِّدًا أَنَّ سِيادَةَ القانُونِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شِعَارٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُمَارَسَةٌ حية ونهج حياة تَضْمَنُ تَحْقِيقَ الاسْتِقْرَارِ وَالعَدَالَةِ وَالنَّهْضَةِ الشَّامِلَةِوالمستدامة.
وَلَعَلَّ مِنَ المُهِمِّ الإِشَارَةُ هُنَا إِلَى أَنَّ جَلَالَتَهُ قد حَدَّدَ بِوُضُوحٍ أَنَّ مَبْدَأَ سِيادَةِ القانُونِ يَعْنِي خُضُوعَ الدَّوْلَةِ – بِأَجْهِزَتِهَا المُخْتَلِفَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَفْرَادٍ فِي مُخْتَلَفِ مَوَاقِعِهِمْ – لِأَحْكَامِ القانُونِ النَّافِذِ، دُونَ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ أَشْخَاصٌ أَوْ جِهَاتٌ فَوْقَهُ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ القانُونَ هُوَ المَرْجِعِيَّةُ العُلْيَا الَّتِي تُنَظِّمُ العَلَاقَاتِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ، وَتَكْفُلُ المُسَاوَاةَ أَمَامَ القَضَاءِ، وَتَمْنَعُ أَيَّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ التَّعَسُّفِ فِي اسْتِعْمَالِ السُّلْطَةِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، أَشَارَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبدُ اللَّهِ الثَّانِي إِلَى أَنَّ هَذَا المَبْدَأَ يَتَضَمَّنُ بُعْدَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ:
أولهما : البُعْدُ الدُّسْتُورِيُّ: والذي يعتبر القانُونَ مَرْجِعًا لِسُلْطَاتِ الدَّوْلَةِ كَافَّةً، فَلَا يَجُوزُ لِأَيِّ سُلْطَةٍ أَنْ تَتَجَاوَزَ النُّصُوصَ الدُّسْتُورِيَّةَ أَوِ التَّشْرِيعِيَّةَ النَّافِذَةَ.
وثانيهما: البُعْدُ المُجْتَمَعِيُّ: والذي يَتَرْجَمُ فِي سُلُوكِ المُوَاطِنِينَ مِنْ خِلَالِ احْتِرَامِهِمْ لِلنُّصُوصِ القَانُونِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا ضَمَانَةً مُشْتَرَكَةً لِحِمَايَةِ الحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ.
وَمِنَ المُهِمِّ أَنْ أُشِيرَ إِلَى أَنَّ الثِّقَةَ المُجْتَمَعِيَّةَ الَّتِي شَدَّدَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبدُ اللَّهِ الثَّانِي عَلَيْهَا لَا تُبْنَى إِلَّا عَلَى أَسَاسِ العَدْلِ وَالإِنْصَافِ؛ فَإِذَا شَعَرَ المُوَاطِنُ أَنَّ القانُونَ يُطَبَّقُ عَلَى الجَمِيعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَأَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ أَوْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، تَوَلَّدَتْ لَدَيْهِ قَنَاعَةٌ رَاسِخَةٌ بِعَدَالَةِ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، مِمَّا يُعَزِّزُ انْتِمَاءَهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الالْتِزَامِ الطَّوْعِيِّ بِالأَحْكَامِ القَانُونِيَّةِ.
وَعَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَلَالَةَ المَلِكِ حَذَّرَ مِرَارًا وَتِكْرَارًا مِنْ أَنَّ غِيَابَ العَدَالَةِ أَوِ الانْتِقَائِيَّةَ فِي إِنْفَاذِ أَحْكَامِ القانُونِ – وَلَوْ فِي حَالَاتٍ نَادِرَةٍ – يُؤَدِّي إِلَى اهْتِزَازِ الثِّقَةِ وَيُضْعِفُ العَلَاقَةَ بَيْنَ المُوَاطِنِ وَالدَّوْلَةِ، بَلْ وَيَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ فُقْدَانِ الثِّقَةِ بِمُؤَسَّسَاتِهَا وَأَجْهِزَتِهَا المُخْتَلِفَةِ.
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ جَلَالَةَ المَلِكِ عَبدَ اللَّهِ الثَّانِي – بِحُكْمِ مَا أُوتِيَ مِنْ حِكْمَةٍ وَبُعْدِ نَظَرٍ – أَشَارَ فِي مختلف كُتُبِ التَّكْلِيفِ السَّامِي لِلْحُكُومَاتِ المُتَعَاقِبَةِ إِلَى أَنَّ آثَارَ تَجَاوُزِ مَبْدَأ سِيَادَةِ القانُونِ تَتَعَدَّى الجَانِبَ الحُقُوقِيَّ لِتَشْمَلَ الأَبْعَادَ السِّيَاسِيَّةَ وَالمُجْتَمَعِيَّةَ وَالاقْتِصَادِيَّةَ.
فَفِي الجَانِبِ الاقْتِصَادِيِّ، يُعَدُّ وُجُودُ بِيئَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَشَفَّافَةٍ شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِجَذْبِ الاسْتِثْمَارَاتِ المَحَلِّيَّةِ وَالأَجْنَبِيَّةِ، إِذْ يَبْحَثُ المُسْتَثْمِرُ دَائِمًا عَنْ نِظَامٍ قَضَائِيٍّ مُسْتَقِلٍّ وَنُصُوصٍ قَانُونِيَّةٍ صَارِمَةٍ تَحْمِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وَتَضْمَنُ لَهُ المُسَاوَاةَ وَالعَدَالَةَ.
أما في البُعْدِ السِّيَاسِيِّ، فَإِنَّ تَرْسِيخَ مَبْدَأ سِيَادَةِ القانُونِ يَضْمَنُ اسْتِقْرَارَ النِّظَامِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ وَيَحُولُ دُونَ تَغَوُّلِ أَيِّ سُلْطَةٍ عَلَى حِسَابِ الأُخْرَى، وَذَلِكَ انْسِجَامًا مَعَ تَوَجُّهَاتِ جَلَالَتِهِ فِي الفَصْلِ المَرِنِ المتوازن بَيْنَ السُّلُطَاتِ الثَّلَاثِ.
وَلَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ اقْتَرَحَ جَلَالَةُ المَلِكِ آلِيَّاتٍ لِضَمَانِ تَكْرِيسِ مَبْدَأ سِيَادَةِ القانُونِ عَلَى نَحْوٍ فَعَّالٍ، وَمِنْ أَهَمِّهَا عَلَى الإِطْلَاقِ دَعْوَتُهُ إِلَى تَعْزِيزِ اسْتِقْلَالِ القَضَاءِ، بِاعْتِبَارِهِ بَوَّابَةَ العُبُورِ لِحِمَايَةِ الحُقُوقِ وَصَوْنِ الحُرِّيَّاتِ العامة .
هذا فضلا عَنْ تَوَجُّهَاتِ جَلَالَتِهِ لِتَطْوِيرِ التَّشْرِيعَاتِ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ لِمُوَاكَبَةِ مُتَغَيِّرَاتِ العَصْرِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَفْعِيلُ أَدَوَاتِ الرَّقَابَةِ وَالمُحَاسَبَةِ وَالمُسَاءَلَةِ عَلَى مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ وَأَجْهِزَتِهَا المُخْتَلِفَةِ.
وَقَدْ أَكَّدَ جَلَالَةُ المَلِكِ أَنَّ مَبْدَأَ سِيَادَةِ القانُونِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شِعَارٍ يتردد إنما هُوَ مُمَارَسَةٌ يَوْمِيَّةٌ تَتَرْجَمُ فِي التِزَامِ الدَّوْلَةِ ثُمَّ الأَفْرَادِ بِأَحْكَامِ القانُونِ، وَهُوَ فِي جَوْهَرِهِ الضَّمَانَةُ الأَكِيدَةُ لِتَعْزِيزِ الثِّقَةِ بَيْنَ المُوَاطِنِ وَمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ، وَتَحْقِيقِ الاسْتِقْرَارِ السِّيَاسِيِّ وَالازْدِهَارِ الاقْتِصَادِيِّ، وَذَلِكَ انْطِلَاقًا مِنْ إِيمَانِ جَلَالَتِهِ العَمِيقِ بِأَنَّهُ لَا عَدَالَةَ دُونَ قانُونٍ، وَلَا ثِقَةَ مُجْتَمَعِيَّةَ دُونَ عَدَالَةٍ نَاجِزَةٍ.