تتسارع الأحداث في العالم و تلقي بثقلها على المشهد السياسي والعسكري و الإنساني في قطاع غزة، فبعد أن تم طرح مقترح ترمب للسلام في غزة و إنهاء الحرب، و بالتوازي معه ظهر على السطح أحاديث مستمرة و متواصلة فيما يعرف باليوم التالي بعد الحرب، وإذ تزداد التكهنات بمدى جدية حكومة نتنياهو في المضي قدماً في المقترح، و الولوج إلى المرحلة الثانية من اتفاقية وقف إطلاق النار، سيما وقد وضع العصا في الدواليب مهدداً بين الفينة و الأخرى فصائل المقاومة إذا لم يتم تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين الذين قتلوا في قطاع غزة كنتيجة للقصف الإسرائيلي المتواصل في تلك الفترة، وهي تعلم أن انتشال الجثث يحتاج إلى معدات و آليات ثقيلة لإنجاز ذلك العمل، لكنها تتلكأ لإيجاد مبرر للعودة إلى الحرب، لإشباع غريزة الحرب و الدمار للمتطرفين في حكومته.
وإذ تضع حكومة نتنياهو العراقيل لمنع قيام حكومة فلسطينية مستقلة من ذوي الخبرة والكفاءة، بينما تطالب الدول العربية والإسلامية على قيادة فلسطينية مستقلة لتتولى إدارة القطاع، و تصر على تلك الخطوة، وتمارس ضغوطاً على الإدارة الأمريكية لدفعها لتنفيذ تلك الخطوة، بما يخدم المصلحة الفلسطينية الوطنية. وتبرز الرؤية الأردنية أن يكون مستقبل غزة خاليا من السيطرة العسكرية الإسرائيلية، و جزءا من المكون الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية من منظور أهل مكة أدرى بشعابها، وتسعى بجهود حثيثة و الدول العربية لبلورة رؤية شاملة و مشتركة لمستقبل يشعر فيه الغزيون بالأمن و الاستقرار و إرساء قواعد الحكم الوطني، والذي يلبي حاجات المواطن الغزي، ووضع احتياجاته كأولوية قصوى و أولها إعمار غزة، وإصلاح شامل للمنظومة التعليمية و الصحية و الخدمية، بعد عامين من حرب همجية إسرائيلية دمرت كل معالم الحياة في القطاع بما قامت به من تدمير البنى التحتية و التي تعطي أملا للسكان في العيش بكرامة.
لا تنفصل الرؤية الأردنية عن تطلعات الشعب الفلسطيني في غزة، و تنسجم مع متطلبات الإنسان الغزي الذي عاصر مرحلة صعبة وقاسية و مؤلمة من حياته، و تأخذ بيده نحو لملمة جراحه و التطلع باتجاه مساعدته على الوقوف مرة أخرى، و محاولة استعادته لحياته الطبيعية، التي فقدها بعد السابع من أكتوبر.
وفي غمار الحرب كانت يد الأردن الحاضرة في تقديم كل دعم وعون لأهالي غزة، ولم يغب عن فكر الأردن ضرورة إيلاء طموحات و آمال الغزيين كل اهتمام، و المناداة في كل محفل دولي رفع الحصار عن غزة و الذي استمر لأكثر من ١٥ عاماً، ذاق فيه الغزيون ويلات الألم و الفقد و المعاناة، و تدرك الأردن أهمية أن يعيش قطاع غزة كغيره من مناطق العالم، باستقرار و سلام و البدء في البناء و التنمية و النهوض من كبوتها بسبب حرب إسرائيلية وحشية لم ترحم أحدا.