يحتفل العالم في كل عام بالأسبوع العالمي للدراية الاعلامية والذي يعتبر فرصة لتسليط الضوء على أهمية وسائل الإعلام ودورها المحوري في تعزيز الشفافية والمساءلة الحكومية و الوعي و الفهم بين الناس إضافة الى نقل المعلومات بشكل مهني وموضوعي .
الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية الذي جاء هذا العام تحت شعار "العقول فوق الذكاء الاصطناعي "هو حدث يهدف إلى زيادة الوعي والإشادة بالتقدم المحرز في مجال الدراية الإعلامية والمعلوماتية وتعزيز الثقافة والتعليم و الديمقراطية حتى باتت واحدة من اهم ادوات حماية العقول وتحصين المجتمعات من التضليل وفوضى المحتوى .
وفي عصرٍ تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الإعلام وينتج الذكاء الاصطناعي يوميًا ملايين النصوص والصور والفيديوهات التي تُشبه الحقيقة إلى حدٍّ مذهل باتت الدراية الإعلامية والمعلوماتية ليست مجرد مهارة بل ضرورة لتعزيز المعرفة والثقافة الشامله التي تقوم على التفكير النقدي والتحقق والفهم الواعي لما يُقدم في فضاء الإعلام المفتوح.
ان هذه الدراية تشكّل اليوم “لغة العصر” حيث لم يعد يكفي أن يكون الإنسان قادرًا على استخدام التكنولوجيا بل يجب أن يمتلك الوعي بكيفية التعامل مع ما يُعرض عليه من معلومات إضافة إلى التأكد من المصادر ومدى مصداقيتها .
وشهد الاردن خلال السنوات الأخيرة تزايدًا هائلًا في الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار مما جعل الاف المستخدمين عرضة للمعلومات المغلوطة والأخبار المفبركة لذلك برزت الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الدراية الإعلامية والمعلوماتية كأداة للتمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة خاصة بين فئة الشباب والطلبة وتعزيز ثقافة الحوار.
وفي المدارس والجامعات بدأ التركيز على تعليم الطلبة كيفية تحليل الرسائل الإعلامية وتمييز الخبر من الرأي والتعامل الأخلاقي مع المعلومات المنشورة على الإنترنت كما تعمل بعض المؤسسات و الجمعيات والمبادرات المجتمعية على عقد ورش توعوية في القرى والمدن لتعريف الجمهور بطرق التحقق من الأخبار واستخدام أدوات الكشف عن المصادر الموثوقة.
ان نجاح أي مشروع وطني في نشر الوعي الإعلامي يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الحكومة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني فوسائل الإعلام مطالَبة بأن تكون نموذجًا في المهنية والشفافية وأن تقدّم محتوى متوازنًا يراعي أخلاقيات المهنة بينما على الجمهور أن يتعامل مع المعلومة بعقل نقدي لا بعاطفة آنية.
كما أن بناء الوعي الإعلامي لا يتم بقرار حكومي بل من خلال تربية جيل يمتلك حسًّا نقديًا وثقافة رقمية ناضجة قادرًا على حماية ذاته من التضليل والمحتوى الموجَّه.
فالذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل الوصول إلى المعرفة لكنه في الوقت نفسه قد يكون أداة للتضليل إذا غاب الوعي النقدي ومن هنا يجب أن تتكامل الدراية الإعلامية مع فهم آليات الذكاء الاصطناعي لتتحوّل من مهارة دفاعية إلى منظومة تمكين معرفي تساعد الفرد على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة في فضاء رقمي مزدحم بالمؤثرات.
لذلك فإن الدراية الإعلامية والمعلوماتية هي درع الوعي في زمن الفوضى الرقمية وأحد أهم عناصر الأمن الفكري والاجتماعي فبقدر ما نُنمّي هذه المهارة في أبنائنا نكون قد أسّسنا لمجتمع قادر على قراءة العالم بوعي واتخاذ القرار المستنير والمشاركة في بناء إعلام مسؤول يخدم الحقيقة .
تبقى العلاقة بين الدراية الإعلامية والذكاء الاصطناعي علاقة تكامل لا صراع قوامها الإنسان الواعي الذي يستخدم التقنية لا ليُقاد بها بل ليقودها نحو خدمة الحقيقة والمعرفة.