في مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني مع محطة "بي بي سي" يوم الاثنين، قدّم الملك موقفاً واضحاً ومتزناً يعكس عمق الرؤية الأردنية تجاه ما يجري في غزة والمنطقة. أوضح جلالته أن الأردن لن يشارك في أي ترتيبات تفرض الأمن داخل غزة، وهذا يؤكد أن دور الجيش الأردني يظل في إطار حماية الأمن الوطني الأردني والدفاع عن حدود المملكة، وليس التورط في صراعات خارجية. جاء هذا الموقف امتداداً لنهج ثابت يقوم على دعم الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، بعيداً عن أي تدخل أو وصاية.
الملك عبدالله الثاني شدد على ضرورة التمييز بين "حفظ السلام" و"فرض السلام"، قائلاً:
"ما هي مهمة القوات الأمنية داخل غزة؟ ونأمل أن تكون مهمة حفظ السلام، لأنه إذا كانت مهمة فرض السلام، فلن يرغب أي بلد في المشاركة."
وتكشف هذه التصريحات عن الفرق الجوهري بين المصطلحين: فـ"حفظ السلام" يشير إلى مهمة مراقبة وقف إطلاق النار، ودعم الشرطة المحلية وتدريبها، وحماية المدنيين، وتهيئة بيئة للحوار، ضمن موافقة الأطراف المعنية، بحيث تكون القوة المشاركة محايدة ولا تتدخل في الصراع نفسه. أما "فرض السلام"، فهو يعني انتشار قوات مسلحة لإجبار الأطراف على قبول تسوية، وغالباً ما يُعتبر تدخلاً خارجياً في شؤون طرف آخر، ويُحمل مخاطر عالية على استقرار المنطقة وعلى المشاركين أنفسهم. هذا التمييز يوضح سبب موقف الأردن من المشاركة في أي عمليات أمنية في غزة، حيث يسعى الأردن إلى دعم العملية السلمية دون التورط في أعمال عسكرية قد تُجرّ البلاد إلى مواقف لا لزوم لها.
من هذا المنطلق، جاء موقف الملك عبدالله الثاني متسقاً مع المبادئ الأردنية الراسخة التي ترفض أن يكون الأردن طرفاً في صراع داخلي فلسطيني أو أن يُستخدم لتصفية حسابات إقليمية. فجلالته يدرك أن أي تدخل عسكري ( من خلال قوات لفرض السلام) قد يُفقد الأردن دوره التاريخي كداعم لوحدة الصف الفلسطيني لا طرفاً في نزاعه.
ويعكس الموقف الأردني أيضاً إدراكاً عميقاً لطبيعة التحديات الحالية، حيث أنّ التورط العسكري لا يُحقق السلام بل قد يزيد الانقسامات ويضعف فرص الحل السياسي. الأردن يركز على تعزيز قدرات الأجهزة الفلسطينية المحلية، ودعم الحلول التي تراعي الحقوق والشرعية، والعمل على تقوية مبدأ الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يجعل دوره شريكاً داعماً دون أن يكون طرفاً في أي صراع. كما يحرص الأردن على أن يكون أي تدخل أو دعم ضمن إطار دولي واضح، يلتزم بالقوانين والمواثيق الدولية، ويحافظ على مصالح الفلسطينيين، دون أن يتحول إلى أداة في صراعات إقليمية أو مصالح خارجية. هذا النهج يعكس حكمة الدولة الأردنية وقدرتها على التمييز بين المسؤولية الوطنية والمخاطر المحتملة، والحفاظ على المصداقية والثقة مع جميع الأطراف.
بهذا الموقف المتزن، يثبت الأردن مرة أخرى أنه يتحرك بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، وأن الحكمة ليست ضعفاً بل هي ذروة القوة والمسؤولية. إنها رؤية تؤكد أن حماية القضية الفلسطينية لا تكون بفرض السلام، بل بالحفاظ على الشرعية وحفظ السلام، والتمسك بالحل العادل، وبالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وحماية المدنيين وإدخال المساعدات الانسانية بشكل مُنتظم.
محامٍ وخبير قانوني