كلّما جلست في سيارة أجرة أو سيارة «أوبر» في عمّان، ستسمع القصة ذاتها تتكرّر: السائق مهندس أو خريج جامعة، لكنه ما زال يبحث عن فرصة عمل تليق بتعليمه وجهده. هذه الحكاية الصغيرة تلخّص مأساةً كبيرة يعيشها آلاف الشباب الأردنيين، ممن حوّلهم الواقع الاقتصادي إلى عمالٍ مؤقتين رغم مؤهلاتهم العالية.
تُعدّ البطالة واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلحاحاً في الأردن، لما تتركه من آثارٍ مباشرة على حياة الأفراد واستقرار الأسر وتوازن المجتمع. ورغم ما تبذله الحكومة من جهودٍ لخفض معدلاتها، فإن المؤشرات الأخيرة تكشف أن التحدي ما زال قائماً ويتطلب حلولاً أكثر عمقاً وفاعلية.
وفقاً لبيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة في الأردن خلال عام 2025 نحو 21.3%، بانخفاض طفيف عن العام السابق، بنسبة 18.1% بين الذكور مقابل 32.8% بين الإناث، ويرى بعض الخبراء أن جذور الأزمة تتجاوز الأرقام لتلامس بنية الاقتصاد ذاته، إذ ما زالت الفجوة بين التعليم ومتطلبات سوق العمل تتسع، في ظل ضعف البرامج المهنية والتقنية، وتراجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على التشغيل، إضافة إلى ارتفاع كلف التشغيل وتأثير العمالة الوافدة في بعض القطاعات.
ولا تتوقف تداعيات البطالة عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي. فالكثير من الشباب يواجهون إحباطاً متزايداً يدفع بعضهم إلى الهجرة أو العمل في وظائف غير رسمية تفتقر إلى الأمان والاستقرار، فيما يتجه آخرون إلى الاعتكاف عن الزواج بسبب عدم الاستقرار المادي وغياب الأمان الوظيفي. ومع كل ذلك، تبقى البطالة عبئاً يومياً يثقل كاهل الأسر ويزيد من هموم الناس وضغوطهم المعيشية.
والحل لا يكون ببرامج مؤقتة، بل بإصلاحات هيكلية شاملة تعيد التوازن بين التعليم وسوق العمل، وتربط النمو الاقتصادي بالتشغيل الفعلي، من خلال استراتيجية وطنية تحفّز القطاعات الإنتاجية، وتشجّع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتُبقي الاستثمار في قلب السياسات الاقتصادية.
في النهاية، تبقى البطالة في الأردن معركة مستمرة مع الأرقام والفرص. وإذا لم تتحول الحلول إلى خطوات واقعية ملموسة، فإن حلم الشباب بوظيفةٍ كريمة سيبقى مؤجلاً، فيما يستمر الوطن بخسارة طاقاته الأكثر حيوية وإبداعاً.