في مشهد وطني مهيب، ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة يوم الأحد 26 تشرين الأول 2025، مجددًا الثقة بمؤسسات الدولة، ومؤكدًا على ثوابت الأردن الراسخة في وجه التحديات الإقليمية والداخلية.
جاء الخطاب في توقيت حساس تمرّ فيه المنطقة بتقلبات سياسية وأمنية واقتصادية، ليحمل رسالة واضحة بأن الأردن، بقيادته الهاشمية، ثابت على مبادئه، منفتح في رؤيته، وماضٍ في مشروعه الإصلاحي.
استهلّ جلالته خطابه بالتأكيد على الموقف الأردني الثابت من القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية الأولى للأردن والعرب.
فلم يتوانَ الملك عن تذكير العالم بأن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست مجرد مسؤولية سياسية، بل التزام ديني وتاريخي لا يمكن التنازل عنه، مشددًا على رفض أي محاولات لتغيير الوضع القائم أو فرض حلول على حساب حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
بهذا الموقف الصلب، يواصل الأردن أداء دوره التاريخي كصوت للعقل والعدالة في منطقة مضطربة.
على الصعيد الداخلي، وضع جلالة الملك الاقتصاد في صدارة الاهتمام، مؤكدًا أن تحسين معيشة الأردنيين هو جوهر الإصلاح وهدفه النهائي.
فقد دعا إلى تسريع تنفيذ المشاريع التنموية، ودعم الطبقات المتوسطة والفقيرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع مكافحة الفساد وتحسين أداء المؤسسات العامة.
هذه الرسائل تعبّر عن إدراكٍ ملكيٍّ عميق لتحديات المواطن اليومية، وعن إيمانٍ بأن الإصلاح الاقتصادي لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة.
وجّه الملك في خطابه دعوة صريحة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية للعمل بشراكة ومسؤولية، بعيدًا عن التردد أو تبادل اللوم، قائلاً بلغة الواثق إن «الإصلاح لا ينجزه فرد، بل دولة تعمل بروح الفريق».
بهذا التوجيه، أراد جلالته إعادة تفعيل دور البرلمان كمؤسسة تشريعية ورقابية حقيقية، وإشراكه في صياغة المستقبل الوطني بما يليق بثقة الشعب.
لم يغب البعد الإقليمي عن الخطاب، إذ أكد الملك على استمرار الأردن في أداء دوره المحوري كدولة توازن واعتدال، ترفض التطرف والعنف، وتدعو إلى حلول سياسية قائمة على القانون الدولي وحقوق الإنسان.
فالأردن، كما شدد جلالته، لن يكون متفرجًا في القضايا المصيرية للمنطقة، بل شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبلها.
يأتي خطاب العرش هذا العام ليكون بمثابة خارطة طريق جديدة للدولة الأردنية، تُبنى على الإرث العميق للقيادة الهاشمية وتستشرف المستقبل بثقة.
خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل وثيقة سياسية ورؤية وطنية تستنهض الهمم وتعيد توجيه البوصلة نحو الثوابت والمستقبل معًا.
ففي زمن الأزمات، يثبت الأردن مجددًا أنه، بقيادته الحكيمة وشعبه الواعي، قادر على الثبات والعطاء، ومؤمن بأن بناء الدولة الحديثة لا يكون إلا بالعمل المشترك والإيمان بالوطن.