تحل علينا ذكرى معركة "مؤتة" الخالدة، التي وقفت فيها قلة مؤمنة (ثلاثة آلاف) أمام كثرة طاغية (مئتي ألف من الروم وحلفائهم). تلك الواقعة ليست مجرد صفحة في التاريخ، بل هي إرث روحي يذكّرنا بأن عِزَّتنا لا تُقاس بميزان العتاد، بل بميزان الإيمان.
روح مؤتة لا تموت
كان قرار القائد عبد الله بن رواحة في تلك الملحمة هو الفيصل: "ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة". هذا اليقين الذي يجعل الشهادة إحدى الحسنيين، هو الدرس الأول الذي يجب أن نستوعبه في مواجهة التحديات المعاصرة.
تلك الروح البطولية لم تَنْدَثر، بل امتدت لتتجلى في ذكرى "حرب تشرين 1973". فقد كانت مشاركة الجيش العربي الأردني، مُمثلاً في اللواء 40 المدرع على الجبهة السورية، أبلغ دليل على أن الإيمان والعقيدة والواجب القومي لا تعترف بالحدود.
القيادة والفداء.. امتداد للميثاق
لقد جسد خطاب جلالة القائد الأعلى حينها، حين قال: "تقدموا فالواجب نداء والعروبة التزام"، صدى للنداء الأول في مؤتة. هو عهد يتناقل بين الأجيال: بأن الأردن لا يغيب عن نصرة إخوته.
وكما استشهد قادة مؤتة بالترتيب (زيد، جعفر، ابن رواحة) وهم يحتضنون الراية، سطر أبطال تشرين قصصًا مماثلة. منهم الشهيد فريد الشيشاني وغيره ممن صدرت لهم أوامر "بالاستشهاد" أو الصمود حتى آخر رمق. هؤلاء الأبطال هم ورثة جعفر الذي جاهد بعضديه المقطوعين، وهم دليل على أن الأمة ولّادة وأن روح التضحية لا تفنى.
الأرض لا تستريح
إن هذا الفداء المستمر يؤكد حقيقة هذه الأرض المباركة، التي لم تُرْوَ بماء عادي، بل بدماء الشهداء. فالأوطان لم تُورث عبثاً. صدق الشاعر حين قال:
هذه الأوطان جنة
تحتها الف شهيد
فوقها الف شهيد
والأرض حبلى
لو لمست الأرض لمسا لاستفاضت شهداء
لا تؤذهم يا ابن الشهيد.
الخلاصة : إن درسي مؤتة وتشرين ليسا مجرد ذكرى عابرة، بل هما دعوة دائمة لنا جميعاً لنكون على قدر هذا الإرث العظيم. الإرث الذي علمنا أن الثبات على المبدأ واليقين بالنصر المعنوي هما سر بقاء الأمة وعزتها. فلنلتزم بالواجب ونحفظ الوطن ، ونحافظ على العهد، ونتمسك بعزة الإنسان في حكم الإسلام.
واليوم يستكمل الأردن بقيادته الدفاع عن حق فلسطين في وطنهم، وإقامة دولتهم المستقلة، والتصدي لمشاريع التهجير.