الأحزاب الأردنية تبحث عن هويتها بالاندماج

تاريخ النشر : السبت 08:43 18-10-2025
أ. د. ليث كمال نصراوين

شهدت الساحة الحزبية الأردنية خلال الأشهر الماضية حراكًا لافتًا نحو إعادة هيكلة الأحزاب واندماجها، وذلك في محاولةٍ منها لتوحيد جهودها السياسية وتفعيل مشاركتها في الحياة العامة بما يحقق الرؤية الملكية للتحديث السياسي. وقد تَجلّى هذا الحراك في عددٍ من عمليات الاندماج بين الأحزاب القائمة، كان آخرها اندماج حزبي "إرادة" و"تقدّم" في حزبٍ جديد باسم "مبادرة"، في خطوة تُعدّ مؤشرًا على رغبةٍ متنامية في بناء كتلٍ سياسية أكبر وأكثر فاعلية في المشهدين السياسي والدستوري الأردني.

إن حركة الاندماج التي دبّت مؤخرًا في أوساط الأحزاب الأردنية تدفع إلى التساؤل حول أسبابها ومبرراتها، ومدى الحاجة إلى مراجعة القواعد القانونية الناظمة لتأسيس الأحزاب السياسية، و ذلك انطلاقًا من أن عمليتي الدمج والاندماج تمت بين أحزابٍ فتية لا يتجاوز عمرها الزمني سنتين. فهذا الاندماج يعكس من جهةٍ واقع الحياة الحزبية الأردنية بأنها حيّة تتأثر بالظروف والمعطيات السياسية والاجتماعية، وأن الأحزاب القائمة تسعى دومًا إلى تقوية بنيتها المؤسسية وتطوير برامجها السياسية من خلال تعظيم المشتركات بينها بما ينعكس إيجابًا على تقليل التزاحم بين هذه الكيانات الوطنية، فالازدحام يعيق الحركة.

في المقابل، يكشف هذا الاندفاع غير المسبوق نحو الاندماج أن التجربة الحزبية لا تزال غير مستقرة في بنيتها التنظيمية والفكرية، على الرغم من المنظومة التشريعية التي جرى إقرارها والتي منحت الأحزاب السياسية مكاسب تاريخية جمّة، أهمها الاعتراف القانوني الصريح بحقها في الوصول إلى السلطة وتشكيل الحكومات في حال فوزها في الانتخابات.

ومع ذلك، فإن الحزب الذي يتكوّن اليوم ويذوب غدًا يعبّر عن واقعٍ سياسي لا يزال في طور التشكل أكثر مما يعكس نضجًا في الثقافة الحزبية أو تراكمًا في الممارسة الديمقراطية. فهذه الاندماجات، التي تحكمها في الدرجة الأساسية الشخوص الحزبية، لا تعبّر عن وعيٍ سياسي حقيقي أو رغبةٍ صادقة في إعادة "برمجة" أفكار الأحزاب المندمجة وتوحيد برامجها وطروحاتها الحزبية نحو تفعيل التشاركية الصادقة في الخطط والرؤى المستقبلية بما يخدم النظام النيابي والديمقراطي.

فالاندماجات الحزبية في الأردن تبقى محكومة بفكرة البقاء التنظيمي أكثر من سعيها نحو التطوير السياسي. فالأحزاب الجديدة التي تنشأ بسرعة وتندمج بالسرعة نفسها تعبّر عن بيئةٍ عامة لم تنضج فيها بعد فكرة الحزب بوصفه مؤسسة عامة ذات وظيفةٍ دستورية، بل ما زالت تُدار بعقلية الجمعيات أو التجمعات المؤقتة. كما أنها تعطي انطباعًا واضحًا عن الغاية التي كان يسعى إليها مؤسسو تلك الأحزاب عند بدء عملية التحديث السياسي، والمتمثلة في حجز مقاعد متقدمة في الحياة السياسية الأردنية، فعندما لم تتحقق طموحاتهم أعادوا التفكير مليًا وأعلنوا رغبتهم في الاندماج والعمل الحزبي المشترك.

وخلال المرحلة القادمة بعد الاندماج، تبقى المخاوف مشروعة من أن تكون هذه التحالفات الحزبية أكثر سعيًا لتحقيق مصالح فردية وشخصية منها إلى خدمة مشروع الإصلاح السياسي. فالتشريعات الناظمة للأحزاب السياسية وضعت شروطًا صارمة للتمويل والدعم المالي والمشاركة في الانتخابات، ما يجعل الاندماج خطة "استراتيجية" لتفادي الإقصاء أكثر منه خيارًا استراتيجيًا لبناء مشروع وطني متماسك. ويظل التساؤل قائمًا حول ما إذا كان الاندماج قد جاء نتيجة حوارٍ داخلي حقيقي بين القوى الحزبية، أم أنه مجرد استجابةٍ للضغوط التشريعية وتجاوبٍ مع التطورات السياسية الداخلية التي لا تزال الساحة الوطنية تشهدها، خصوصًا بعد العمليات الإرهابية والضبابية التي ما فتئت تلفّ المشهد الحزبي الأردني وتؤثر في تركيبة مجلس النواب الحالي.

إن المتفائلين المتغنين بمزايا الاندماج الحزبي وتأثيراته الإيجابية على الساحة السياسية الأردنية مدعوون إلى مراقبة المشهد العام عن كثب؛ فمن جهةٍ تجتمع أحزاب وطنية تتفق قياداتها على الاندماج، ومن جهةٍ أخرى تعصف بأحزابٍ أخرى خلافات داخلية واستقالات جماعية متكررة تضرب بقوة أساساتها التنظيمية. فقد صدرت قرارات قضائية بحلّ أحزابٍ سياسية لعدم قيامها بتوفير مقراتٍ حزبية، في حين وصلت الخلافات بين أحزابٍ أخرى وأعضائها من نوابٍ ومنتسبين إلى اعتبارها قضايا رأيٍ عام يتنافس أطرافها في معركة كسر عظم داخل أروقة القضاء. وفي ظل هذا الاضطراب في المشهد الحزبي، قد يبدو الاندماج محاولةً لإثبات الوجود وتحقيق مصالح خاصة بأساليب مختلفة أكثر من كونه مسارًا نحو توحيدٍ حقيقي.

وعلى صعيد الحياة البرلمانية، التي تمثل محور النظام النيابي الديمقراطي، فإن الدورة العادية الأولى لمجلس النواب العشرين قد غابت عنها أي مظاهر للتنظيم الحزبي لنواب القائمة العامة على الأقل، إذ لم يكن للوجود الحزبي أثرٌ يُذكر على العمل التشريعي أو الرقابي. ومن هنا يثور التساؤل حول الكيفية التي سيستقبل بها نواب الأحزاب المندمجة قرار الاندماج؛ فبعد أن كان هؤلاء الممثلون يتنافسون فيما بينهم "حزبيًا" وشخصيًا، سيصبحون اعتبارًا من الدورة البرلمانية القادمة "رفقاء في الحزب الواحد"، الأمر الذي قد يثير مخاوف حقيقية بشأن قدرة الأحزاب الناشئة عن الاندماج على فرض نفسها كجهاتٍ مرجعيةٍ عليا لنوابٍ لم يرتبطوا بها من قبل، أو على الأقل لم تجمعهم بأحزابهم السابقة علاقات تنظيمية قوية.

إن النواب الحزبيين في البرلمان لا يزالون متأثرين بمجريات العملية الانتخابية التي جرت في عام 2024، والتي شهدت تنافسًا حادًا بين الشخوص الحزبية. أما اليوم، فقد أصبح هؤلاء في موقعٍ جديد يفرض عليهم أن يكونوا أعضاء في عائلةٍ حزبيةٍ واحدة، يعملون معا بما يخدم الكيان الحزبي الجديد الناشئ عن الاندماج، وهو الأمر الذي يحتاج الى الكثير من العمل .

* أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }