لم تعد حوادث العنف الجامعي في الأردن مجرّد مشاهد عابرة في يومياتنا الجامعية، بل تحولت إلى ظاهرة تؤرق المجتمع الأردني بكل مكوناته. فبين حين وآخر نسمع عن مشاجرة طلابية هنا أو هناك، تخرج عن إطار الخلاف الشخصي إلى مظهر من مظاهر العصبية والانقسام، لتضرب في عمق رسالة الجامعة التي وُجدت لتبني العقول لا لتصنع الأحقاد.
إنّ الجامعة هي بيئة يفترض أن تقوم على الحوار واحترام الرأي الآخر، غير أن بعض الطلبة للأسف ما زالوا ينقلون معهم إلى الحرم الجامعي أنماطًا من السلوك الاجتماعي القائم على العصبية العشائرية أو المناطقية أو حتى الفئوية، ما يجعل الخلافات البسيطة تتحول إلى اشتباكات جماعية تُسيء لصورة التعليم العالي في بلدنا.
تتعدد أسباب هذه الظاهرة، فالعوامل الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا، إذ تنشأ بعض فئات الشباب في بيئات تُعزّز فكرة الانتصار للذات أو للعشيرة أكثر من احترام القانون والمؤسسة. كما لا يمكن إغفال العوامل النفسية الناتجة عن الضغوط الدراسية والبطالة وضعف الأمل بالمستقبل. إلى جانب ذلك، هناك ضعف واضح في النشاطات الجامعية الثقافية والطلابية التي من شأنها أن تستوعب طاقات الشباب وتوجهها نحو العمل التطوعي والإبداعي.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد؛ فبعض إدارات الجامعات تتردد في تطبيق القوانين والأنظمة بحزم وعدالة خوفًا من ردود الفعل أو الضغوط، مما يشجع البعض على التمادي. كما أن دور الأسرة تراجع في المتابعة والتوجيه، ودور الإعلام بحاجة إلى مزيد من التركيز على نشر ثقافة الحوار بدلًا من الاكتفاء بنقل الأخبار بعد وقوع الحوادث.
إنّ معالجة ظاهرة العنف الجامعي لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل لا بد من مشروع وطني متكامل يشارك فيه الجميع؛ الجامعات، الأسر، الإعلام، ووزارة التعليم العالي. المطلوب اليوم ترسيخ مفهوم "المواطنة الجامعية" التي تقوم على احترام القانون والانتماء للمؤسسة، وتعزيز البرامج التوعوية والإرشادية داخل الجامعات، وتدريب الطلبة على إدارة الخلافات بطرق سلمية.
فالعنف الجامعي في جوهره ليس إلا انعكاسًا لمشاكل أعمق في المجتمع، وإذا لم نواجهها بوعي ومسؤولية، فإننا نخاطر بأن نفقد واحدة من أهم مؤسسات بناء الوطن: الجامعة، التي ينبغي أن تبقى منارة علمٍ وسلوكٍ راقٍ، لا ساحة خصامٍ وتوتر.