في الأردن يعتمد الأقتصاد الوطني والتنمية في جميع أبعادها بشكل كبير على الموارد البشرية، ولطالما تميزت الطاقات البشرية الأردنية بمستويات مرتفعة من التعليم، والمهارات، وإمتلاك منظومة قيمية جعلت منها كفاءات تسعى العديد من المؤسسات الأقليمية والعالمية لأستقطابها.
كما يشكل الأردن حالة فريدة في عدد الطلبة الملتحقين بالتعليم العالي، حيث يتصدر دول العالم في نسبة الطلبة الجامعيين قياساً إلى عدد السكان، ما يمنحه فرصة بالغة الأهمية في تركيز وتوجيه برامج التدريب والتطوير والتأهيل إلى نسبة كبيرة من المواطنين، من خلال ما تمتلكه مؤسسات التعليم من خبرات وبرامج وأدوات يمكنها رفع سوية الخريجين المعرفية والمهارية، والدفع بهم صوب فرص عمل نوعية.
غير أن التنافسية محتدمة بين دول العالم في إعداد الكفاءات والمواهب البشرية، من خلال التركيز على برامج كشف الموهبة وتعزيز القدرات وتوجيه الأفراد منذ وقت مبكر في مسارات معرفية ومهارية تنسجم وما يمتلكون من مواهب متمايزة، الشيء الذي يعود بشكل كبير على تحقيق نجاحات كبيرة وإنجازات واضحة على مستوى الأفراد والمؤسسات، وفي النهاية يشكل كل ذلك عائد للدولة، وهذا ما دفع العديد من دول العالم إلى إقامة مشاريع كبرى للكشف عن الموهبة وتعزيزها، منذ مراحل مبكرة في حياة الأفراد، بحيث تشمل هذه المشاريع مؤسسات وطنية عديدة كالمدارس والجامعات ومؤسسات التدريب، حتى شكلت هذه المشاريع فكر الدولة وإدارتها، ويشرف على إدارة هذه المشاريع خبراء قادرين على وضع سياسات وخطط من شأنها تشكيل الوعي، وبناء الأدوات، وتجهيز البنى التحتية، والتشبيك بين المؤسسات ذات الصلة، وصولاً إلى تحقيق هدف بالغ الأهمية، لا مجرد ترف ونشاط جانبي في المسارات والأهداف الوطنية.
إلى جانب ذلك ولإختصار شوط كبير من مسيرة إعداد الكفاءات والمواهب لجأت بعض الدول ذات الإمكانيات المالية الكبيرة إلى إستقطاب الموهوبين من دول شتى في العالم، وقدمت لهم كل ما يسعون إليه من مكتسبات مالية وحوافز في مجالات متعددة، وذلك إيماناً بأن تنامي نسبة الموهوبين بين أفراد المجتمع يعني نموا أقتصاديا وأجتماعيا وفكريا للمجتمع برمته، وقد كانت هذه المسلَّمة حاضرة مؤخرا في قائمة الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم المختلفة، فمعظمهم يحملون الجنسية الأمريكية، حيث الدولة الأكثر قدرة على استقطاب الموهوبين.
يشكل هذا المقال دعوة للحكومة للتفكير جدياً في البدء في مشروع وطني للكشف عن الموهبة وتعزيزها، ووضع تشريعات ناظمة لهذا المشروع الذي أعتقد أننا قد تأخرنا في البدء في تنفيذه، كما على الحكومة ومؤسسات الدولة تضمين هذا المشروع سياسات تحد من هدر الكفاءات والمواهب الوطنية الأردنية، والتي نخسرها إما من خلال عدم كشفها وتعزيزها، أو من خلال هجرتها خارج حدود الوطن رغم أن الدولةتكلفت أعباء وتكاليف مالية كبيرة لقاء إعدادها وتأهيلها.