اقتصاديات العادات والتقاليد..

تاريخ النشر : الثلاثاء 09:23 14-10-2025
م. زيد خالد المعايطة

أطلق وزير الداخلية الأردني مؤخرًا دعوة لإعادة النظر في بعض العادات الاجتماعية، فحرّكت هذه الدعوة نقاشًا واسعًا حول الممارسات التي أصبحت تثقل كاهل الناس رغم أنها وُلدت أصلًا من قيم الكرم والتكافل، فالدعوة إلى تقصير فترات العزاء، وتنظيم ثقافة الجاهات، وتخفيف المهور لا تهدف إلى المساس بجوهر العادات والتقاليد، بل هي محاولة لتخفيف ما يرتبط بها من أعباء مادية واجتماعية تجاوزت قدرة الكثير من الأردنيين... نعم هي محاولة لإعادة التوازن بين روح العادة ومغزاها الأصلي من جهة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الناس اليوم من جهة أخرى.

تعتبر العادات الاجتماعية اللغة التي تعبّر بها المجتمعات عن طبيعة العلاقات المشتركة فيما بين افراد المجتمع والتي تقوم بشكل أساسي على ثقافة الاحترام والانتماء، فهي ممارسات تنشأ من توافق ضمني بين افراد المجتمع على ما يُعد سلوكًا كريمًا أو لائقًا، وتتحول هذه التوافقات مع مرور الوقت إلى اعراف مجتمعية غير مكتوبة تفرض نفسها بقوة، فيلتزم الناس بها أحيانًا لا عن قناعة حقيقية، بل خوفًا من مخالفة ما يراه المجتمع واجبًا، فيستمرون في ممارستها خشية التأويل أو اللوم أكثر من رغبتهم في الحفاظ عليها.

ومع ذلك، فالعادات ليست ثابتة او غير قابلة للتغيير، فهي تتغيّر عندما تتغيّر نظرة الناس لما هو طبيعي ومقبول، فعندما يكرر قادة المجتمع أو وجهاؤه تقديم نماذج أكثر اتزانًا، تتبدّل المعايير الاجتماعية، وتصبح البساطة دليلًا على الوعي والرقي لا على التقشّف، وهكذا يبدأ التغيير التدريجي بأعراف وعادات المجتمعات، لا من خلال التغيير الإلزامي، بل عبر القدوة وإعادة تعريف المعايير بطريقة تدريجية ومقنعة.

ولا يقتصر أثر هذا التغيير على الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتد إلى صميم الاثر الاقتصادي على الافراد، فالعادات ترسم في كثير من الأحيان مسار الموارد المادية داخل المجتمع، وتحدّد شكل الإنفاق، بل وحتى الطريقة التي يُعبَّر بها البعض عن حالة الكرم والاحترام، وعندما يعلو المظهر على المعنى، تتحوّل النوايا الطيبة إلى أعباء مادية متزايدة، فيجد كثيرون أنفسهم ينفقون فوق طاقتهم حفاظًا على المكانة أو اتساقًا مع ما يفرضه العرف الاجتماعي.

تكشف الأرقام جانبًا ملموسًا من هذا الواقع، فبحسب بيانات CEIC Data الصادرة مطلع عام 2025، بلغ الدين الأسري في الأردن نحو 42.4 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل قرابة 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب في المنطقة، وهذه الأرقام لا تعبّر عن حسابات مالية فحسب، بل عن ضغوطٍ يومية يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم، حين تتحوّل المناسبات الاجتماعية إلى التزام يفوق القدرة، وقد أشارت بعض وسائل الإعلام المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى لجوء بعض العائلات إلى استئجار الذهب لمراسم الزواج بدلاً من شرائه، في صورة تعبّر عن عمق الأثر الاقتصادي للعادات الاجتماعية حين تتجاوز إمكانات الناس.

ولكي تنتقل مبادرة وزير الداخلية من النقاش إلى التنفيذ، لا بد من الاعتماد على أدوات عملية مستندة إلى فهم سلوكي للمجتمع ، فالتغيير لا يحدث بالقرارات وحدها، بل بنماذج السلوك الاجتماعي في المناسبات التي تغيّر ما يراه الناس طبيعيًا ومقبولًا، وعندما يقيم رموز المجتمع ووجهاؤه مناسبات بسيطة تعبّر عن الكرم الحقيقي دون إسراف، يرسلون إشارات جديدة لأفراد المجتمع تعيد تعريف مفهوم الكرم ذاته، ويمكن للإعلام أن يرسّخ هذه الرسائل من خلال تسليط الضوء على قصص الاعتدال وربط الكرم بالنية لا بالمظاهر، كما يمكن للمؤسسات المجتمعية والعشائرية أن تساند هذا الاتجاه من خلال تسهيل إقامة المناسبات المتواضعة، وتشجيع النماذج التي تعبّر عن الكرم دون إسراف، ودعم المبادرات المحلية التي تتبنّى هذا النهج وتجعله جزءًا من الممارسة اليومية.

وتكمن فعالية هذه الأساليب في قدرتها على تغيير الصورة في أذهان الناس قبل تغيير سلوكهم، فالأفراد لا يبدّلون عاداتهم بالأوامر، بل حين يشعرون بأن المجتمع بأكمله يتحرك معهم في الاتجاه نفسه، وهنا يأتي دور الدولة في تهيئة المناخ الذي يسمح لهذه القيم أن تنمو تلقائيًا، وفي دعمها دون فرضها، بما يعزز الثقة والتقبّل بدلًا من المقاومة.

إن هذه الدعوة إلى التوازن ليست خروجًا عن هوية الأعراف، بل عودة إلى جوهرها، فالقيم التي تقوم عليها مثل الاعتدال والتواضع والتعاون هي جزء أصيل من الثقافة الأردنية ومن الإرث الديني والاجتماعي للمجتمع، واستحضارها اليوم لا ينتقص من التقاليد بل يجددها، لأنها تربط الأصالة بالواقعية وتمنح العادات القديمة معنى يناسب عصرًا جديدًا.

وعندما تخدم العادات الناس بدلاً من أن تُثقلهم، تتحول إلى مصدر قوة واستقرار، فاقتصاد العادات والتقاليد لا يتعلّق بالأرقام وحدها، بل بكيفية تبادل القيم، وبالطريقة التي يُعبَّر بها عن الاحترام، وبالاستثمار في كرامة المجتمع ورفاه أفراده ومستقبلهم.

* باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }