في زمن تتناثر فيه الأصوات وتغرق فيه الحقائق بين زوابع التصريحات وضجيج الأضواء، يظل هناك من يختار أن يعمل بصمت، ويقف حيث يقتضي الموقف، لا حيث تتسلط الأضواء.
الأردن، منذ أول طلقة في غزة، لم يكن على هامش الأحداث. لم يكن شاهدا، بل شريكا في الجهد، وجزءا من نبض الحق، ورأس حربة في السعي نحو وقف الحرب، وتخفيف الكارثة، ومنع الانهيار الأخلاقي والإنساني الشامل.
في قمة شرم الشيخ للسلام، التي انعقدت في المركز الدولي للمؤتمرات بمصر، شارك جلالة الملك عبد الله الثاني، حاملًا معه ما هو أكبر من موقف سياسي: التزاما تاريخيا تجاه العدالة، وفلسطين، والقدس، واستقرار الإقليم.
لم يتحدث، ولم يدل بتصريحات، لكن حضوره بحد ذاته كان رسالة صامتة بمضمونٍ صاخب. حضور يليق بدولة اختارت على الدوام أن تكون "الجندي المجهول" في المعارك الكبرى — تحضر حين يغيب الآخرون، وتعمل حيث لا تعمل الكاميرات.
ومنذ بدء العدوان على غزة، تحركت عمان في صمت العارفين.
الدبلوماسية الأردنية كانت حاضرة في كل محور، وفي كل وساطة، تحاور، تضغط، تحذر، وتنسج التفاهمات بخيوط دقيقة.
مساعدات إنسانية عاجلة، مستشفيات ميدانية أقيمت في قلب الدمار، مبادرات لعلاج الأطفال الجرحى في مستشفيات المملكة، طائرات إغاثة، وجهود سياسية مع العواصم الكبرى — كل ذلك جرى بعيدًا عن الأضواء، لكنه لم يمر دون أثر.
وإن كان البعض قد نال نصيب الأسد من التصفيق، فإن اسم الأردن لم يغفل تمامًا، بل وجه له الشكر، وإن على استحياء، في بعض المحافل، كما يليق بالدول التي تفي بالتزاماتها لا طلبًا للثناء، بل وفاءً للمبدأ.
والمبدأ الأردني واضح لا لبس فيه: لا أمن دون عدالة، ولا استقرار دون كرامة، ولا حلول على حساب الشعب الفلسطيني. موقفٌ لم يُصنع تحت ضغط اللحظة، بل بُني على إرث طويل.
فحين نعود إلى التاريخ القريب، نستحضر بثقة موقف الملك الحسين بن طلال، حين تعرض المواطن الأردني خالد مشعل لمحاولة اغتيال إسرائيلية في عمان عام 1997. لم يكن الموقف تصعيدًا، بل إعلانًا:
"الكرامة الأردنية لا تمس. إما الترياق فورًا، أو تُلغى معاهدة السلام."
ولم يكن ذلك إلا تمهيدًا لما هو أعمق: إرغام إسرائيل على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، الزعيم الروحي لحركة حماس، في خطوةٍ لا تُقاس بالسياسة، بل تقاس بالحكمة والتاريخ.
لم تكن تلك الوقائع لحظة عاطفية، بل تجسيدًا لنظرية حكم راسخة: أن الأردن، مهما تباعدت مساراته عن بعض الفصائل، لا يفرط أبدا بحق الشعوب في الحياة، أو بكرامة مواطنيه، أو بثوابته القومية.
واليوم، في عهد الملك عبد الله الثاني، لا تزال ذات المدرسة تعلمنا أن السياسة ليست مجرد بيانات، بل رؤية مستمرة.
وفي مواجهة المشاريع الدولية التي حاولت اختزال فلسطين إلى ملف قابل للإغلاق، أو تحويل الأردن إلى وطن بديل، كان موقف الملك قاطعًا، حاسمًا، ذكيا:
لا للوطن البديل. لا للتهجير. لا للمساومة على السيادة أو الكرامة.
وقد عبر الملك عن ذلك مرارًا، في لقاءاته مع زعماء العالم، دون استعراض، بل من موقع الدولة العارفة بحقائق الأرض، والديموغرافيا، والسياسة. موقف يحترمه الحلفاء، ويحسب له الخصوم ألف حساب.
وعلى جبهة الوجدان، كانت الملكة رانيا العبد الله، الفلسطينية الأصل، تذكر العالم من على منابر الإعلام العالمي أن هناك شعبا يباد، وأن على الضمير الإنساني أن ينهض، لا أن يختبئ خلف عبارات الحياد.
في كلماتها صدق المنفى، وجرح الوطن، وبلاغة الحقيقية المجردة.
وبجوارها، يمثل ولي العهد، الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، جيلا شابا يتعلم من ثقل الموقف، لا من خفة التصريحات.
ليس غريبا على دولة كانت دائما الحارس الأمين لـ القدس — مسلمين ومسيحيين — أن تتحرك بهذا الثبات.
فـالوصاية الهاشمية، التي لم تكن يوما ديباجة بروتوكولية، بل ممارسة حقيقية وتاريخية، كانت وما زالت سدا أمام التهويد، والتقسيم، والإقصاء.
وليس غريبا على الأردن، الذي اختار عبر تاريخه أن يدفع الثمن السياسي والاقتصادي في سبيل مواقفه، أن يكون اليوم، كما كان بالأمس، أشد وضوحا في لحظات الغموض، وأشد ثباتا في لحظات الانهيار.
في زمن تهربت فيه دول من مسؤولياتها، واكتفت أخرى بالتنديد، واختارت كثيرات الاصطفاف خلف مصالحها، وقف الأردن، كما اعتاد، في المكان الصعب، متخليا عن كل حساب إلا حساب الموقف.
وإذا كانت الشعوب تقاس بمواقفها في المحن، فإن الأردن، في هذا العدوان، أثبت من جديد أن الدول الكبيرة لا تقاس بعديد الجيوش، بل بعدد المرات التي اختارت فيها أن تقف إلى جانب الحق، حتى حين كان العالم يغمض عينيه.