من وجهة نظري، الاتفاق بين إسرائيل وغزة، كما يبدو الآن، هو بالأساس اتفاق سياسي إنساني أكثر من كونه اتفاقًا ذا طابع قانوني دولي. هو ترتيب يهدف إلى وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية، لكنه لا يرتقي بعد إلى مستوى «معاهدة دولية» بالمعنى القانوني الصارم. السبب ببساطة أن أحد طرفيه هو حركة غير دولية، وأن مثل هذه التفاهمات عادةً تُبرم بشكل سريع وعملي لمعالجة أزمة طارئة، لا لوضع أسس قانونية دائمة.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن القانون الدولي غائب. فحتى في ظل هذا النوع من الاتفاقات، تظل قواعد القانون الدولي الإنساني نافذة تماما، وعلى الطرفين الالتزام بحماية المدنيين، وضمان معاملة الأسرى وفقا للمعايير الدولية، وعدم استخدام الحصار أو التجويع كسلاح. هذه الالتزامات قائمة بحكم القانون، وليست مرتبطة بوجود اتفاق من عدمه، إذ أن القانون الدولي الإنساني يُعتبر الإطار الحاكم لأي نزاع مسلح، سواء تم التوصل إلى هدنة أم لا.
ما قد يمنح الاتفاق لاحقا طابعا قانونيا دوليا هو المسار الذي سيتخذه سياسيا ودبلوماسيا، لأن الاتفاقات من هذا النوع تبدأ عادة بتفاهمات ميدانية مؤقتة ثم تتطور تدريجيا نحو ترتيبات أكثر ثباتا، تبعا لتفاعل الأطراف وضغوط المجتمع الدولي. فإذا أُدرِج الاتفاق في قرار صادر عن مجلس الأمن، فإنه سيكتسب قوة إلزامية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، خاصة إذا صدر القرار تحت الفصل السابع الذي يُلزم جميع الدول الأعضاء بتنفيذه، ويتيح فرض عقوبات أو اتخاذ تدابير في حال الإخلال به.
كما أن توقيع دول ضامنة عليه، مثل مصر وقطر والولايات المتحدة وربما أطراف أوروبية أو عربية أخرى، يمكن أن يرفعه من مستوى التفاهم السياسي إلى اتفاق ذي ضمانات دولية، بحيث تصبح هذه الدول مسؤولة عن متابعة التنفيذ والتحقق من التزام الأطراف ببنوده. وقد يُفتح الباب لاحقا أمام مشاركة الأمم المتحدة من خلال بعثات مراقبة أو قوات حفظ سلام تشرف على وقف إطلاق النار وتؤمن الممرات الإنسانية، وهو ما يمنح الاتفاق تنفيذيًا أكثر رسوخًا.
وإذا جرى تسجيل الاتفاق رسميًا لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة باعتباره وثيقة دولية، فإن ذلك يمنحه صفة قانونية إضافية تُمكّن من الاحتكام إليه في حال وقوع خرق أو نزاع بشأن تفسيره أو تطبيقه. إلى جانب ذلك، قد تُنشأ آليات تنفيذ ومراقبة مشتركة تضم ممثلين عن الأطراف الموقعة والدول الضامنة ومؤسسات دولية، تتولى رصد الانتهاكات ورفع تقارير دورية للأمم المتحدة أو لمجلس الأمن. هذه الخطوات مجتمعة من شأنها أن تنقل الاتفاق من مرحلة التفاهم السياسي المرحلي إلى مستوى التزام دولي قابل للمساءلة والإنفاذ، وتؤسس لاحقًا لإطار قانوني يمكن البناء عليه في أي تسوية نهائية أوسع.
أما من ناحية المساءلة الدولية، فالهدنة أو الاتفاق لا تعني إسقاط الجرائم أو إغلاق الملفات. فالمحاكم الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية تواصل النظر في الانتهاكات الخطيرة بغض النظر عن أي ترتيبات ميدانية. لذلك فإن الحديث عن «صفقة تهدئة» لا يُغلق باب المساءلة أو التحقيق في الجرائم المحتملة، بل قد يمنح المجتمع الدولي فرصة أوسع لتفعيل أدوات العدالة والمحاسبة في ظل هدوء ميداني نسبي.
برأيي، النقطة الجوهرية تكمن في ما سيحمله النص النهائي للاتفاق من مضامين وتفاصيل. فمن المهم معرفة من هي الجهات التي ستوقّع رسميًا، وما إذا كان سيتضمن أي بنود تتعلق بالعفو أو الإعفاء من المساءلة، وهل ستوجد جهة دولية تتولى الرقابة أو الضمان، إضافة إلى ما إذا كان الاتفاق سيُحدث تغييرًا فعليًا في إدارة غزة أو في شكل السيادة عليها. فهذه العناصر مجتمعة هي التي ستحدد إن كان الاتفاق مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، أم أنه يمثل بداية لمسار قانوني وسياسي أوسع يضع أسسًا جديدة للمرحلة المقبلة.
باختصار، أرى أن ما يجري الآن هو اتفاق سياسي بامتياز، لكنه محاط بأبعاد قانونية لا يمكن تجاهلها. لم يصل بعد إلى مستوى الالتزام الدولي الملزم، غير أن إمكان تحوّله إلى ذلك يبقى قائمًا إذا ما تبنّته الأمم المتحدة أو أُحكمت ضماناته الدولية. في النهاية، نجاح هذا الاتفاق أو تعثّره سيتوقف على الإرادة السياسية للأطراف المعنية، ومدى جدّيتها في ترجمة بنوده إلى واقع يُرسّخ الاستقرار ويفتح الباب أمام مسار قانوني وسياسي أكثر ديمومة.
محامٍ وخبير قانوني