في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المعارف، لم يعد النجاح مجرد محطة نصل إليها، بل أصبح رحلة مستمرة من التعلم وإعادة الاكتشاف، فشباب اليوم يعيشون في عالم مفتوح، تذوب فيه الحدود بين الحلم والواقع، وتتحول فيه الموهبة إلى مسؤولية أكثر منها ترفاً، فلم يعد يكفي أن يمتلك شهادة، بل أن يمتلك رؤية، وأن يحولها إلى أثر حقيقي، حيث أصبح التفوق مرهوناً بالقدرة على التعلم والتكيف والإبداع في مواجهة المجهول.
الكثير من الشباب اليوم يقفون عند مفترق طرق: بين طموحات تتجاوز السحاب وواقع يطالبهم بالكفاءة قبل الطموح، فالعالم لم يعد يسأل عمّا درست، بل عمّا تستطيع أن تقدمه، ففي هذا العصر، المهارة صارت رأس المال الجديد، والمرونة في التفكير أصبحت صفة من لا يريد أن يندثر.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز من بيننا من استطاع أن يتجاوز المعادلات التقليدية، مثل البروفيسور عمر ياغي، الذي لم يولد في بيئة مثالية، لكنه امتلك الإصرار والرؤية ليصنع من العلم طريقاً نحو المجد، فلم يكن نجاحه حكاية فردية بقدر ما هو شاهد على أن البيئة قد تحد، لكنها لا تمنع، وأن الموهبة حين تُصقل بالعلم تتحول إلى إنجاز يعبر القارات، فما فعله البروفيسور ياغي لم يكن إعجازاً، بل استثماراً في نفسه منذ اللحظة الأولى، إيماناً منه بأن الكفاءة وحدها من تفرض احترامها في أي مكان.
تجربته تذكّرنا بأن في مدارسنا وبيوتنا عقولاً قد لا يلتفت إليها أحد، فقط لأنها لا تندرج ضمن مقاييس التفوق التقليدية، فكم من طالب طُمس شغفه لأن معلمه لم يرَ فيه سوى معدّلٍ متواضع؟ وكم من فكرة دفنت لأن صاحب القرار لم يمتلك الحس الكافي لاكتشاف بريقها؟ إن مشكلتنا لا تكمن في قلة المواهب، بل في قلة من يعرفون كيف يكتشفونها ويستغلونا.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعليم والتوظيف، ثقافة ترى في الفضول قيمة، وفي الخطأ خطوة نحو الإبداع، وفي السؤال بداية لمعرفة أعمق، فحين يتوقف المجتمع عن محاسبة الشباب على المعدلات والدرجات العلمية، ويبدأ في الاحتفاء بقدرتهم على التفكير، سنشهد جيلاً مختلفاً وواعي.
التمكين لا يكون بالخطابات ولا بالجوائز الرمزية، بل بخلق بيئة تحترم الفكرة وتدعمها، وتموّل المشاريع الصغيرة، وتمنح الشباب مساحة للتجربة، فالموهبة من دون دعم كالنبتة من دون ماء، قد تزهر للحظة لكنها سرعان ما تذبل.
العالم يتغير، والتحديات تتكاثر، من الذكاء الاصطناعي إلى التحولات الاقتصادية، لكن الفرص لا تزال متاحة لمن يمتلك الجرأة على التغيير، إذ أن المستقبل لا ينتظر من يتردد، بل من يملك الإرادة ليعيد رسم معناه.