بعد اتفاق المقاومة الفلسطينية وإسرائيل مبدئياً على المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام يتساءَل المرء: هل سيتم تطبيق الاتفاقية فعلاً؟ أم أنّ ثمة عقبات غير يسيرة تعترض الطريق، وسوف تحول في النهاية دون التطبيق، بل وربما العودة إلى الحرب، وصولاً إلى الحسم؟
إنّ استقراءً مُعمّقاً لهذه الاتفاقية تشير بوضوح إلى أن التطبيق لن يكون سهلاً فهناك تساؤلات مشروعة، وهناك عقبات كأداء لا بد من التعامل معها والتغلب عليها، إذا ما أُريد للسلام أن يعُم فعلاً، ولعلّ من أهم هذه العقبات والتساؤلات:
أولاً: نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة الأخرى. إن نزع سلاح المقاومة سوف يعني نهايتها بالضرورة، فهل تقبل هي بذلك؟ وعندما نقول: نزع سلاح المقاومة فما المقصود؟ هل المقصود نزع السلاح الثقيل؟ أم كل سلاح حتى الفردي منه؟ وإذا قبلت فصائل المقاومة ذلك فهل تضمن ألّا يُلاحق أعضاؤها بعد ذلك من إسرائيل؟ وماذا عن القادة بالذات؟ هل سيأمنون على أنفسهم في القطاع أم يقبلون بالنفي؟
ثانياً: السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع: لقد كان من أهداف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ضمان ألّا يشكل القطاع خطراً مستقبلياً على إسرائيل فهل يعني هذا -حتى على فَرَض نزع سلاح المقاومة- أن تُبقي إسرائيل على فاصل منزوع السلاح بين حدودها وبين حدود القطاع؟ أم يعني بقاءَها في نقاط معينة كما فعلت الآن في لبنان حيث أبقت على خمس نقاط تحتلها حتى بعد وقف إطلاق النار؟ أم يعني إبقاء الحصار على القطاع وممارسة "الحق" في المراقبة والتدخل عندما تشعر بأنّ مصالحها الأمنية مُهدّدة؟
ثالثاً: "تدويل" إدارة القطاع فممّن سيتكون "مجلس السلام" الذي تحدثت عنه الاتفاقية، والذي سيرأسه. ترامب نفسه؟ وما الدور الذي سوف يلعبه "توني بلير" غير الموثوق به من قِبَل الطرف الفلسطيني بعد التجربة المريرة معه في رئاسة "الرباعية" التي لم تثمر شيئاً؟ ومن هم الفلسطينيون الذين سوف يشاركون؟ وهل سوف يكونون مستقلين "وتكنوقراط" أم أصحاب اتجاهات معادية لمسيرة النضال الفلسطيني؟ وإذا حدث ذلك فعلاً فما مصير موظفي حماس المدنيين الذين قد تعتبرهم إسرائيل خطراً عليها لا يقل خطراً عن الكوادر المسلحة؟ هل سيُكتفى بعزلهم؟ أم سيُصار إلى نفيهم وإلى أين؟
رابعاً: إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية لنفسها: حيث نصت الاتفاقية على تسليم مهام الإدارة في القطاع إلى السلطة الفلسطينية بعد إحداث بعض الإصلاحات في بنية السلطة، فما هذه الإصلاحات يا تُرى؟ هل هي بعض التعيينات الجديدة، وتعديل بعض التشريعات؟ أم هي محاربة ثقافة المقاومة، وتعديل المناهج بما يتوافق مع طمس الهوية الوطنية للفلسطينيين وتبني السردية الإسرائيلية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما تريد إسرائيل؟ ومن الذي يحكم في النهاية على طبيعة هذه الإصلاحات وما إذا تمت بالفعل أم لا؟ وإذا تمت هذه الإصلاحات وتمت الموافقة عليها مما يُسمى "مجلس السلام" فهل سيقود هذا إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، والاعتراف بدولتهم على حدود الرابع من حزيران1967 (الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية كعاصمة وقطاع غزة) كما ينص عليه حل الدولتين وتعترف به (157 من أصل 193 دولة) في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟!
خامساً: انعدام المرجعية والضمانات: حيث السؤال الذي يُطرح هنا ما المرجعية التي تستند إليها اتفاقية ترامب؟ هل هي كون أمريكا الدولة الأقوى في العالم وبالتالي "يحق" لها أن تفعل كما تريد؟ هل هناك "قانون" دولي تستند إليه هذه الاتفاقية؟ إنّ من الواضح أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تجنبتا "مرجعية" الأمم المتحدة لأنهما لا يريدان تقييد نفسيهما بالقانون الدولي، والقانون الدولي، وشرعية الأمم المتحدة التي قد تلزمهما بمسارات أخرى مختلفة عن تلك التي يخططان لها.
وتبقى مسألة الضمانات أيضاً، فما الضمان أن تنسحب إسرائيل انسحاباً كاملاً من القطاع؟ ومن الذي سيضمن موضوع "نزع سلاح المقاومة": كيف يتم ومتى يكون مقبولاً؟ ومن يضمن إشراك الفلسطينيين بصورة مقبولة في إدارة القطاع تحت مظلة "مجلس السلام"؟
ومن الذي يضمن حدود السيطرة الأمنية الإسرائيلية على قطاع غزة؟ ومن الذي سيضمن البدء بإعادة الإعمار بما يحقق الأمن والسلام والاستقرار للفلسطينيين الذين عانوا الأمرين من الإبادة الجماعية، والتهجير، والتجويع وبما يقترب من أهوال يوم القيامة؟
إن الحقيقة العارية هي أنه ليس هناك ضمانة ولا ضامنون اللهم إلّا فهم ترامب نفسه وفريقه للأمور، وبما أن ترامب هو أفضل صديق لإسرائيل يدخل البيت الأبيض كما قال نتنياهو، وبما أنّ فريق ترامب منسجم مع الإسرائيليين إلى حد التماهي فإنّ القادم مخيف وقد لا يكون أقل سوءاً مما حصل فعلاً على أرض القطاع وحواليه في الإقليم.