حين يصبح الفن ذاكرة… دور الدراما في حفظ ثقافة الدولة

تاريخ النشر : الأحد 09:15 5-10-2025
م. زيد خالد المعايطة

تجاوز الفن عبر التاريخ كونه مجرد وسيلة للترفيه، فكان دائمًا مرآة ترى فيها المجتمعات نفسها وتشكل قوة تدفعها إلى التطور. فالحكايات والأغاني والمسرح والدراما التلفزيونية لا تعكس الحياة فقط بل تُعيد تشكيلها وتؤثر في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى واقعهم وكيف يراهم الآخرون، وتوضح لنا بعض قواعد العلوم السلوكية سر هذا الأثر العميق حيث بيّنت نظرية "النقل السردي" في أواخر القرن العشرين أن الاندماج مع الحكاية والرواية يجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتبني القيم والأفكار التي تحتويها، أيضا فقد أبرزت نظرية "الذاكرة الجمعية"، التي تطورت منتصف القرن العشرين وتعمقت في التسعينيات، أن الأعمال الفنية تختزن التجارب المشتركة وتنقلها من جيل إلى آخر، لتبني ذاكرة جمعية تساهم في صياغة الهوية وترسيخ روح الانتماء والاحساس بالمواطنة.

في الأردن، كانت الدراما الفنية دومًا التعبير الأوضح عن هذا الدور، فقدمت في مراحل سابقة صورة صادقة عن حياة العائلات في القرى، وعن أحياء المدن وتفاصيل الحياة اليومية بما فيها من تحديات ومعاناة وآمال، ونشأت أجيال كاملة وهي تشاهد هذه الأعمال مع أسرها، وما يشعر به الأردنيون اليوم من حنين إليها ليس مجرد عاطفة عابرة، بل رابط يربط الإنسان بتاريخه ووطنه بمراحل سابقة تعود لبدايات نشأة الدولة، فقد تحولت تلك الأعمال إلى نقاط مرجعية مشتركة تبقى حاضرة في الذاكرة المشتركة للأردنيين، وتنقل أنواع القيم وشكل المشاعر من زمن إلى آخر، فاستذكار هذه الدراما هو في جوهره استذكار للذات والهوية وروابط الانتماء وتراث من سبقنا.

لكن الحنين وحده لا يكفي لضمان استمرار الدور الذي يلعبه الفن، فحتى تحافظ الدراما على تأثيرها، لا بد أن تبقى قريبة من الناس وتشاركهم افراح وهموم واقعهم، وحين يرى الأردنيون أنفسهم بمختلف مناطقهم وخلفياتهم ممثلين على الشاشة، يشعرون أنهم جزء من قصة وطنية واحدة، وعندما يندمج المشاهد في حكاية تشبه تفاصيل حياته، فإنه يستوعب رسائلها بشكل أعمق مما لو صيغت على شكل خطاب مباشر، ولهذا لم تكن الدراما يومًا مجرد ترفيه، إذ إن جزءًا كبيرًا من ثقافتنا وحياتنا اليومية يتشكل من الصورة التي ترسمها لنا الدراما عما هو طبيعي ومرغوب وممكن.

وتُظهر التجارب الإقليمية والدولية أن هذا الدور لا يقتصر على المجتمع المحلي وحده، فالدراما في كثير من الدول لعبت دورًا في ترسيخ التغيير الاجتماعي، وفي تقديم صورة وطنية للخارج، بل وفي التأثير على مكانة تلك الدول في أعين الشعوب الأخرى، ومع مرور الوقت تتحول هذه القصص إلى قوة ناعمة وإلى جزء من الذاكرة الثقافية للأمم فيما بين شعوبها ومع من هو حولها، وفي مجال هذا السياق لا بد من التنويه الى ان الأردن كان من الدول السباقة ضمن دائرته الإقليمية في نشر ثقافة التراث من خلال الدراما الفنية ، وما زال يملك من المواهب والعمق الثقافي ما يؤهله للاستمرار بالقيام بالدور نفسه، لكن ذلك يتطلب دعمًا جادًا ومنظمًا لقطاع صناعة الدراما الفنية .

التحدي القائم واضح، فالإنتاج الدرامي الأردني يعاني من ضعف التمويل ومحدودية التوزيع ومنافسة شديدة من الأعمال المستوردة، ونتيجة لذلك أصبح الأردنيون يتداولون قصصًا وروايات صاغها الآخرون أكثر مما يتلقون روايتهم الوطنية، والأثر المترتب على ذلك قد لا يقتصر على الجانب الفني فحسب، بل قد يمتد ليطال حالة الارتباط بالثقافة الوطنية أيضًا، إذ حين لا يرى الناس أنفسهم باستمرار في فنونهم الوطنية، تضعف صلتهم بالقصة المشتركة، وحين لا يلتقي العالم بالثقافة الأردنية من خلال أعمالها الفنية، تصبح صورة البلاد بيد غيرها.

والخروج من هذا التحدي يبدأ بالاعتراف بالدراما كأصل وطني ينبغي الاستثمار فيه، فدعمها ليس مجرد استجابة لحنين أو وسيلة للترفيه، بل هو استثمار في الهوية والتماسك والصورة الدولية، ويمكن أن يبدأ ذلك بإنشاء صندوق ثقافي يضمن تمويلًا مستدامًا للإنتاج، كما يمكن إدماج الدراما في استراتيجيات الدبلوماسية الثقافية لتعزيز حضورها على المنصات الإقليمية والدولية، وتستطيع الشراكات مع القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية أن توسع من نطاق انتشار الأعمال الأردنية، فيما توفر برامج التدريب للكتّاب والمخرجين والممثلين جيلًا جديدًا قادرًا على المنافسة وهو متمسك بجذوره.

والدعم لا يقتصر على الموارد والتوزيع فقط، بل يشمل الحرص على أن تبقى القصص نفسها قريبة من حياة الناس، فالأعمال الدرامية ينبغي أن تُظهر تنوع المجتمع الأردني حتى يشعر كل مواطن أن القصة التي تُروى على الشاشة تمثله وتعنيه، فالقرب من الناس لا يعني الاقتصار على اللهجات أو المناطق فحسب، بل يتجسد في تناول القضايا التي يعيشها المجتمع فعلًا. فالأردنيون أكثر استعدادًا للتفاعل مع دراما تلامس واقعهم، من أحلام الشباب وطموحاتهم مرورًا بتحديات الأسرة والحياة اليومية، وحين يجد المشاهد قصته منعكسة على الشاشة، تتحول الدراما من نص مستورد إلى مرآة وطنية تعزز الانتماء وتمنح الفخر، وتُبقي الفن قوة توثق الصلة بين المواطن ووطنه.

الفن يترك أثره في المجتمعات من خلال المشاعر التي يثيرها والذكريات التي يزرعها، ليصبح جزءًا من الحكاية المشتركة، والدراما الأردنية طالما أدت هذا الدور، فحفظت الذاكرة الجمعية وعززت الانتماء وأسست لثقافة موحدة، ومع دعم حقيقي ورؤية واضحة، ستبقى قادرة على أن تروي قصة الأردن، لأبنائه وللعالم بأسره.

باحث في الاقتصاد والعلوم السلوكية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }