في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وجدت موسكو نفسها في مواجهة عاصفة من العقوبات الاقتصادية والسياسية غير المسبوقة من قبل الغرب وحلفائه. في هذا المناخ الملتهب من المقاطعة، لم يعد لدى الكرملين سوى عدد محدود من الأبواب المفتوحة. وكان أوسع هذه الأبواب هو تحالف "بريكس" (BRICS)، الذي تحوّل من منتدى اقتصادي إلى شريان حياة حيوي تحاول روسيا من خلاله كسر الحصار والخروج من أزمتها. فما هو اتحاد البريكس؟
البريكس هو تحالف اقتصادي وسياسي يضم في صيغته الأساسية خمس دول كبرى ذات اقتصادات ناشئة هي: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا، ربما على غرار تحالف 1955 في باندونغ بأندونيسيا بقيادة تيتو وعبدالناصر. تأسس المجموع رسمياً في عام 2009، ويهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية بين أعضائه، وخلق قوة موازنة للنظام المالي والسياسي العالمي الذي تهيمن عليه الدول الغربية ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي ومجموعة السبع.
ومع فرض العقوبات الغربية اثر حرب أوكرانيا، التي شملت تجميد أصول النظام الروسي، وعزل البنوك الروسية عن النظام المالي العالمي (SWIFT)، وتجميد الاحتياطيات الأجنبية، سعت روسيا إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية عبر البريكس، منها تعزيز التبادل التجاري بعملات محلية. فأحد أكبر التحديات التي تواجهها روسيا هو تقييد التعامل بالدولار واليورو.
فانا الآن كسائح في روسيا لا أستطيع استعمال بطاقة الفيزا أو أرسال أي تحويل بنكي. لذلك، ركزت روسيا بشكل عاجل على تفعيل آليات الدفع والتجارة باستخدام العملات المحلية مع شركائها في البريكس، وخاصة الصين والهند. فقد زادت وارداتها من بكين وقبلت بيع النفط بالروبية الهندية واليوان الصيني، مما خفف الضغط على عملتها وسمح بتدفق السلع بعيداً عن رقابة النظام المالي الغربي.
ومع إغلاق العديد من الأسواق الأوروبية، تحولت روسيا إلى أسواق دول البريكس لبيع منتجاتها، خاصة الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والحبوب والأسمدة. وقد ساعدتها الهند والصين بشكل كبير في امتصاص هذه الصادرات، وإن كان ذلك بأسعار مخفضة في بعض الأحيان.
أما بشأن الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة، فقد وقفت الصين والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل إما إلى جانب روسيا أو حافظت على موقف محايد، معارضة العقوبات الأحادية ومدافعة عن "تعددية الأقطاب". هذا الدعم السياسي كان بالغ الأهمية لموسكو لكسر العزلة الدبلوماسية وإظهار أن العالم ليس موحداً ضدها.
وإدراكاً من روسيا أن قوة التحالف تكمن في عدد أعضائه وتنوعهم، دفعت روسيا وبقوة، مدعومة من الصين، نحو توسيع نطاق مجموعة البريكس. الهدف هو تحويلها من نادٍ يضم 5 أعضاء إلى تحالف كبير يشكل كتلة سياسية واقتصادية قادرة على منافسة مجموعة السبع.
في قمة جوهانسبرغ عام 2023، كانت ثمار هذا الجهد واضحة، حيث تم الإعلان عن دعوة ست دول للانضمام إلى المجموعة اعتباراً من 2024، وهي: إيران، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، إثيوبيا، والأرجنتين (التي انسحبت لاحقاً بعد تغير الحكومة). وربما تنضم إليهم قطر بعد الاعتداء الغاشم الذي تعرضت له من الكيان الإسرائيلي بتآمر من الولايات المتحدة. هذا التوسيع يحقق لروسيا مكاسب جمة، كتعزيز الثقل الجيوسياسي، فان إضافة دول مؤثرة إقليمياً مثل إيران والسعودية ومصر تعطي البريكس وزناً أكبر في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهي مناطق حيوية للنفوذ العالمي.
كذلك، فان السيطرة على موارد الطاقة، مع انضمام السعودية والإمارات وإيران، سيمثل البريكس حصة هائلة من إنتاج النفط والغاز العالمي، مما يمنحه نفوذاً استراتيجياً في أسواق الطاقة وقرارات الاوبيك.
وتوسيع الاتحاد يخلق شبكة اقتصادية متكاملة، من حيث أنه يخلق سلسلة إمداد وتجارة داخلية شبه مكتفية ذاتياً، من الموارد الطبيعية إلى الأسواق الاستهلاكية، تقلل الاعتماد على الغرب.
كذلك يفيد الاتحاد في كسر الحصار الإيراني بعد انضمام إيران، التي تعاني أيضاً من عقوبات غربية شديدة، ويقوي ذلك محور "المقاومة للهيمنة الغربية" داخل البريكس ويفتح قنوات تجارية بديلة لها ولروسيا.
وقد كان هدف المؤتمر الذي حضرته في أكاديمية العلوم بموسكو في نهايات شهر أيلول 2025 هو بحث آفاق التعاون بين موسكو ودول الجنوب، وكانت مداخلتي عن ضرورة تطوير موسكو قدراتها في الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين والاستثمار في الدول النامية كي لا يفوتها القطار في قطاع الطاقة المستقبلي اذا ظلت معتمدة على الصناعتين النفطية والنووية وحدهما.
ولكن رغم النجاحات الظاهرة، تواجه استراتيجية روسيا عبر البريكس تحديات كبيرة، منها الخلافات الداخلية بين أعضاء الاتحاد، إذ ليست هناك مواقف موحدة بين الأعضاء. فالعلاقات بين الهند والصين متوترة، والبرازيل وجنوب إفريقيا تحاولان الحفاظ على توازن في سياستهما الخارجية. فالصين هي القوة الاقتصادية الأكبر في المجموعة، مما يثير مخاوف الهند وبعض الأعضاء الجدد من تحول البريكس إلى أداة بيد بكين.
اضافة الى ذلك هناك التباين الاقتصادي والسياسي، من حيث صعوبة التنسيق بين دول ذات أنظمة سياسية واقتصادية متنوعة جداً (ديمقراطيات، أنظمة استبدادية، ممالك)، وبالتالي قد تعيق اتخاذ قرارات موحدة وسريعة.
ختاماً نقول، لم يعد البريكس مجرد منظمة للدول الناشئة، بل تحول إلى رقعة شطرنج جيوسياسية كبرى. وبالنسبة لروسيا، فهو ليس مجرد منفذ من الأزمة الحالية، بل هو حجر الزاوية في رؤيتها لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، حيث تقل فيه الهيمنة الغربية وتزداد فيه مراكز القوى وتتنوع. نجاح موسكو في تسويق هذه الرؤية وتوسيع التحالف يعد اختباراً حاسماً لمستقبل النظام الدولي وما إذا كان سوف يتجه نحو القطبية الثنائية أو التعددية الحقيقية.