بعيدا عن تقييم ما سمّي بخطة ترامب لإنهاء الحرب على غزة، وبعيدا أيضا عن تحليل وقراءة أبعاد وانعكاسات موافقة حماس عليها، وبغض النظر عن حسابات الربح والخسارة، ستتوقف الحرب بشكل ما، ويفرح الناس ويهدأ تشقق القلوب ويوقف النزف المرعب، ستتوقف الحرب على أية حال، توقفا لن يريح قيادة الطرفين لكن لا خيار، فقد استنفدت الأوراق واستهلكت الخيارات واستعصى الحسم العسكري، فكان لزاما على هذه الحرب أن تتوقف بعد أن تجاوزت عمرها الافتراضي كثيرا، وأكلت من البشر والحجر ما تعجز البشرية عن تبريره أو فهمه، فوهات المدافع وهدير الدبابات وزعيق الطائرات وأزيز الرصاص كل هذا سيصمت حتما ولو إلى حين.
لكن ماذا عن الحرب الأخرى؟ تلك التي سيشتعل أوارها بعد توقف هذه الحرب، والصحوة من هول هذا الموت والضجيج الذي انغرز في الروح واستقر في الوجدان، ماذا عن استفاقة الغزي بعد أن ينجلي غبار الحرب، ويتأمل حجم الموت العميق فوق الأرض وتحتها، ماذا عنه وقد جلس يحصي حجم الخسارات والويلات وسلاسل الفقد غير النهائية، ماذا عن هذا الغزي الباقي وهو ينظر إلى المدى، فلا يرى غير حطام المدن وأشلاء المنازل وأطلال المدارس والمستشفيات، يمشي فلا يجد الشوارع ولا الأزقة ولا بقايا أرصفة، يفتش فلا شيء يشبه أي شيء، ولا الذكريات تتعرف على ملامحها القديمة، ماذا إذا عن الغزي وهو يرقب صور من أكلتهم الحرب ولم يتركوا غير جراح عميقة في القلب وندوب قاسية على جدار الروح، ماذا عن من فقد أجزاء من جسمه، فصار نصفه تحت الأرض ونصف يتوكأ ما بقي من حزن دفين، ماذا وماذا وماذا؟
إنها تلك الحرب الأخرى التي لم يستعد لها أحد، ولم يلتفت لهول ما فيها كل من مر على المشهد الذي يصعب وصفه، إذا من سيخوض هذه الحرب بعد أن تتوقف تلك الحرب، من سيهدهد كتف المدن الخراب، من سيمسح بيده على جراح المخيمات قديمها وجديدها، ومن سيجلس مع من نجا من الفقد الكبير ليداويه من الفقد الأكبر بعد أن فقد ما فقد، ومن سيحصي تلك الندوب في الأرض وفي قلوب البشر، إنها الحرب الأخرى التي لن تصدر عنها تقارير إخباريه، ولا إحصاءات تسابق الأرقام المتراكمة، إنها الحرب الأخرى التي لن تلتقطها عدسات الكاميرات ولن تلصص عليها المسيرات وستتجاهلها الأقمار الصناعية، لأنها حرب ليست كأي حرب.
هذه الحرب الأخرى سيخوضها الغزي وحده، إنه الغزي المفرد، لا المقاوم بسلاحه ولا تلك الفصائل المنضوية تحت ألويتها ومقولاتها، سيكون الغزي المفرد، سيقف في مواجهة حربه الداخلية الجديدة بصمت، ويعرف أن هذا قدره، قدره أن يحمل من جراح وألم ما تعجز عنه الأرض بما رحبت، ربما ستبنى البيوت وترصف الشوارع ويعود ما بقي من طلبة إلى فتات المدارس، لكن هل سيرمم الإنسان وتخاط أشلاء روحه من جديد؟ كيف سيتخلص من كل ما تراكم في أعماقه من حزن وصراخ وأوجاع؟ ... لكنها الحرب الأخرى .. حرب الغزي المفرد، وحده من سيخوض هذه الحرب بصمت وينجو، سينجو.. ذاك قدره.