وقد جاء انعقاد الملتقى الوطني الأول لأولياء الأمور في مدرسة الثوابت – المزار الجنوبي، تحت شعار “شركاء في بناء مستقبل أبنائنا”، ليجسد هذه الرؤية التربوية التكاملية. فهو ملتقى لم يكتف بالاحتفاء بالشراكة بين المدرسة والأسرة، بل طرح تساؤلات عميقة حول أي مدرسة نريد؟ وأي مواطن نطمح إلى تخريجه في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم؟
من واقع خبرتي الأكاديمية والإدارية في ميدان التعليم الجامعي، أجد أن نجاح المؤسسة التربوية لا يقاس بما تضعه من خطط وبرامج فحسب، بل بمدى قدرتها على إشراك الأسرة إشراكًا حقيقيًا، وتحويل ولي الأمر من متابع سلبي إلى شريك فاعل في صياغة شخصية الابن أو الابنة. المدرسة تزرع، لكن البيت يسقي؛ ولا يمكن للبذور أن تثمر ما لم تتكامل الجهود.
نحن اليوم في زمن تُعيد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيل ملامحه بسرعة غير مسبوقة. وهنا تبرز الحاجة إلى مدارس المستقبل؛ مدارس لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تعمل على بناء الشخصية وتعزيز الهوية الوطنية وتنمية القيم وصقل المهارات. إنها مدارس التوازن بين الأصالة والانفتاح على مهارات القرن الحادي والعشرين؛ التفكير النقدي، الإبداع، التعلم مدى الحياة، والتواصل الفعال.
وفي هذا السياق، أرى أن أعمدة المدرسة الفاعلة تقوم على خمس ركائز أساسية:
1. معلم كفؤ مبدع يتلقى تدريبًا متجددًا ليبقى قادرًا على مواكبة العصر.
2. مناهج متوازنة تمزج بين الأصالة والمعاصرة وتستجيب لحاجات المتعلم والمجتمع.
3. تقييم تربوي بنّاء يقيس التقدّم في التفكير والمهارة، لا الحفظ والتلقين فقط.
4. بيئة آمنة وصحية ترعى العقل والجسد والروح معًا.
5. شراكة أصيلة مع ولي الأمر تضمن أن يجد الطالب في البيت امتدادًا لما يتلقاه في المدرسة.
أولياء الأمور ليسوا “زوارًا” على العملية التعليمية، بل هم شركاؤها الحقيقيون. وما زلنا نرى – للأسف – في بعض الحالات فجوة بين البيت والمدرسة، تُلقي باللوم على أحد الطرفين إذا تعثر الطالب. بينما المطلوب أن نغلق هذه الفجوة بالتواصل الصادق، والمتابعة المستمرة، والإيمان بأن نجاح أبنائنا هو مسؤوليتنا جميعًا.
لقد ناقش الملتقى الوطني في مدرسة الثوابت محاور مهمة تعكس رؤيتنا للتعليم الشامل: الهوية الوطنية، السلوك الاجتماعي، الصحة البدنية، التحصيل العلمي، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي، ومسارات التمويل، واستراتيجيات التعلم المعاصرة، والدور الوطني للمؤسسات الدستورية. وهي جميعها صورة متكاملة لمدرسة الغد التي نطمح إليها.
إنني أؤمن أن رسالة المعلم اليوم ليست سهلة، لكنها في الوقت ذاته شرف عظيم. فالمعلمون يزرعون البذور، والأسر تسقيها، والمجتمع يحصد ثمارها. وحين يعمل الجميع بروح الفريق الواحد، نستطيع أن نبني جيلًا واثقًا بهويته، معتزًا بوطنه، متمكنًا من أدوات العصر، قادرًا على أن يسهم في نهضة الأردن ورفعته.
إن مثل هذه الملتقيات يجب ألا تكون مجرد فعاليات عابرة، بل محطات مضيئة نراكم عليها خبراتنا ونحوّل توصياتها إلى سياسات وممارسات واقعية. فالتربية ليست ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل هي الأساس المتين لأي مشروع وطني للتنمية والاستقرار.
وفي ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، التي أولت التعليم جلّ اهتمامها، تبقى مسؤوليتنا أن نكون جميعًا - وزارة ومدرسة وأسرة - شركاء في رحلة البناء هذه، وأن نقدّم لأبنائنا تعليمًا يليق بطموحاتهم، ويعكس مكانة الأردن وريادته.