من "الاعتراف بالدولة الفلسطينية" إلى "قيام الدولة الفلسطينية"

تاريخ النشر : السبت 08:11 4-10-2025
د. أحمد بطّاح

إنّ مما لا شك فيه أنّ الموجة الأخيرة من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية تحمل قيمة سياسية كبيرة، وبخاصة أنّ بعضها جاءَ من دول أوروبية مهمة؛ فالمملكة المتحدة كانت هي الدولة التي أصدرت وعد بلفور (عام 1917) الذي مهدّ الأرضية المناسبة لقيام إسرائيل، وفرنسا هي أكبر دول الاتحاد الأوروبي من حيث الوزن السياسي المؤثر، وكندا وأستراليا دولتان غربيتان كبيرتان وغنيتان (كندا هي إحدى السبع الغنية G7)، وقد ترتّب على هذه الاعترافات أن أربع دول منها (بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا) هي من الخمس دول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي تعترف بالدولة الفلسطينية، كما ترتب عليه أنّ أغلبية كبيرة من دول العالم (157 من أصل 193) تعترف بالدولة الفلسطينية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما فائدة هذه الاعترافات ما دام أن إسرائيل التي تحتل الأراضي الفلسطينية التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة (الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة) لا تقبل بقيام دولة فلسطينية وتعتبر ذلك تهديداً وجودياً لها، وما دام أن الولايات المتحدة التي تُمدّ إسرائيل بكل أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لا تعترف بهذه الدولة وتعتبر هذا الاعتراف مكافأة "للإرهاب".

إنّ هذا الواقع المتمثل بالهوة بين "الاعتراف" و"قيام الدولة" فعلياً يجعلنا نتساءَل كيف يمكن البناء على هذا الاعتراف بحيث يمكن الوصول إلى قيام الدولة بالفعل؟

إنّ هذه النَقْلة الحاسمة المطلوبة تتطلب عدة خطوات مهمة ومن أطراف مختلفة ولعل من أهم هذه الخطوات:

أولاً: توحّد الجانب الفلسطيني بحيث يكون للفلسطينيين ممثل شرعي واحد معترف به من قِبَل الأطراف الفلسطينية ومن المجتمع الدولي، إذ ليس مقبولا أن تظل السلطة الفلسطينية التي تقف وراءها "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية هي المعترف بها دوليا، بينما حماس وبقية فصائل المقاومة المسلحة على الأرض الفلسطينية تعتبر "إرهابية".

إن الفلسطينيين يجب أن يتوافقوا على "ممثل" شرعي واحد ينطق باسمهم، ويدافع عن قضيتهم أمام العالم، ومن المفضل أن يكون هذا التمثيل محصّلة لانتخابات، كما أن على السلطة الوطنية الفلسطينية إظهار التزامها بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما أن عليها طرح خطط اقتصادية تنموية رئيسية تكسب بها ثقة المجتمع الدولي.

ثانياً: نضوج الرأي العام الإسرائيلي وتقبله لفكرة أن تكون هناك دولة للشعب الفلسطيني على ترابه الوطني، إلى جانب دولتهم، ولعلّ اتفاقية أوسلو (1993) لو تم تطبيقها بحسن نية وتفهم إسرائيلي على النحو الذي أبدته قيادات إسرائيلية تاريخية مثل إسحاق رابين وشمعون بيريز كان يمكن أن تكون الخطوة الأولى على هذا الطريق، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ انزياح الرأي العام الإسرائيلي (الذي تمثله الحكومة المُنتخبة في النهاية) نحو اليمين هو الذي يعقّد المشهد السياسي، ويجعل قبول إسرائيل حالياً بإقامة الدولة الفلسطينية مسألة صعبة، إن لم تكن غير واردة.

ثالثاً: الضغط على الولايات المتحدة من كافة الدول من أجل الانضمام إلى الركب وتبني الحل الممكن الوحيد للمعضلة الفلسطينية وهو "حل الدولتين" الذي يعني إجرائياً قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بحيث تتوافر لكليهما فرصة الأمن، والتنمية، والازدهار.

إنّ حيوية النظام السياسي الأميركي وتغير الإدارات الأميركية تبعاً للانتخابات قد يفرز ذات يوم إدارة أميركية تأخذ بهذه الرؤية، وتتبنى هذا النهج الذي يقبله العالم كله حالياً عدا الولايات المتحدة.

رابعاً: الإبقاء على زخم الموقف العربي القاضي بدعم قيام الدولة الفلسطينية كسبيل وحيد لحل القضية الفلسطينية. صحيح أنّ العرب تبنوا هذا الطرح من خلال المبادرة العربية في قمة بيروت منذ عام (2002)، ولكن هذا لا يكفي، وقد كانت مبادرة جيدة تلك التي قامت بها السعودية بالتعاون مع فرنسا لاستقطاب اعترافات دولية جديدة بالدولة الفلسطينية (ما عُرف بمبادرة نيويورك) لإنقاذ حل الدولتين الذي تَجْهد إسرائيل لوأده من خلال ما تقوم به من "إبادة جماعية" في قطاع غزة، و"تسمين" للاستيطان في الضفة الغربية. ولعلّ الدول العربية مطالبة في هذه المرحلة بتبني سياسة داعمة محددة كإفهام إسرائيل بأن لا تطبيع بعد الآن معها إذا لم تقم الدولة الفلسطينية، وأن علاقتها الحالية مع بعض الدول العربية قد يتم إعادة النظر بها إذا لم يكن هناك قبول بفكرة الدولة الفلسطينية، وتقديم مساعدات لتحسين البنية التحتية الفلسطينية، وفتح سفارات فلسطينية في العواصم العربية التي لا توجد فيها.

خامساً: تكثيف الجهود الدولية، وبالذات الأوروبية الرامية لإقامة الدولة الفلسطينية فعلاً لا قولاً، الأمر الذي قد يقتضي معاقبة إسرائيل على ما تقوم به في الأراضي المحتلة، والضغط عليها بكافة الوسائل والسبل لإفهامها أن لا مجال لتحقيق أمنها وإدماجها في المنطقة سوى القبول بقيام دولة فلسطينية لا تشكل خطراً عليها وفي ذات الوقت تستجيب لآمال وطموحات الشعب الفلسطيني الذي كافح طويلاً، وبذل الغالي والنفيس في سبيل حريته، واستقلاله، وكرامته، ولعلّ الدول الأوروبية تستطيع اتخاذ خطوات محددة في هذا السياق مثل تقديم دعم اقتصادي مباشر للفلسطينيين، ورفع مستوى تمثيلهم الدبلوماسي، وإشراكهم في الهيئات الدولية.

هل هذا السيناريو ممكن؟

إنه ممكن بالطبع ولكنه يحتاج إلى زمن تنضج فيه الظروف، وتتغير الأحوال لصالح "إقامة الدولة"، ولعلّ مثال "جنوب إفريقيا" جيد في هذا السياق، فقد قاوم النظام العنصري فيها بشراسة وكان الغرب وبالذات الولايات المتحدة تؤيده، ولكن مع الزمن ومع اتضاح الصورة بشأن "العدالة" المطلوبة في جنوب أفريقيا جعلت النظام العنصري ينهار، وجعلت الدول الغربية تتقبل التغيير، بل وتستقبل "مانديلا" بطل التحرر وتشكيل "دولة للجميع" بالترحاب والتبجيل. إن ما حدث في جنوب إفريقيا سوف يتكرر في فلسطين لا محالة فهذا هو درس التاريخ وعلى الجميع أن يستوعبه.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }